فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 101

وشرطُ العطفِ بالواو أنْ يكونَ بين الجملتينِ جامعٌ حقيقيٌّ بين طرفي الإسنادِ، أو جامعٌ ذهنيٌّ ،فالجامعُ الحقيقيُّ كالموافقةِ في نحو: يقرأُ ويكتبُ، والجامعُ الذهنيُّ كالمضادةِ في نحو: يضحكُ ويبكي، وإنما كانتِ المضادَّةُ في حكم الموافقةِ، لأنَّ الذهنَ يتصوّرُ أحدَ الضدينِ عند تصوُّر الآخرِ، فالعلمُ يخطرُ على البالِ عند ذكرِ الجهلِ،كما تخطرُ الكتابةُ عند ذكرِ القراءةِ.

والجامع ُيجبُ أنْ يكونَ باعتبارِ المسنَدِ إليه والمسنَدِ جميعًا.

فلا يُقالُ: خليلٌ قادمٌ والبعيرُ ذاهبٌ، لعدمِ الجامعِ بين المسنَد إليهما ،كما لا يقالُ: سعيدٌ عالمٌ، وخليلٌ قصيرٌ، لعدمِ الجامعِ بين المسندينِ، وفي هذا البابِ مبحثانِ.

المبحثُ الأولُ-مواضعُ الوصلِ

*-الوصلُ: عطفُ جملةٍ على أخرى (بالواو) ، ويقعُ في ثلاثةِ مواضعَ:

الأولُ - إذا اتحدتِ الجملتانِ في الخبريةِ والإنشائيةِ لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط ، ولم يكنْ هناكَ سببٌ يقتضي الفصلَ بينهما، وكانتْ بينهما مناسبةٌ تامةٌ في المعنى.

فمثالُ الخبريتينِ قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) [الانفطار/13، 14] ومثالُ الإنشائيتينِ قولهُ تعالى: (فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) [الشورى/15] ، وقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) [النساء/36] ، وصل َجملةَ « ولا تشركوا» بجملةِ « واعبدوا» لاتحادهِما في الإنشاءِ، ولأنَّ المطلوبَ بهما مما يجبُ على الإنسانِ أن يؤدِّيَهُ لخالقهِ، ويختصَّهُ به، ومن هذا النوعِ قول أحمد شوقي (1)

عالجوا الحِكمةَ واستشفوا بها وأنشدوا ما حلَّ منها في السِّير

فقد وصلَ بين ثلاثِ جملٍ، تتناسبُ في أنها مما يتعلقُ بأمر (الحكمةِ) وبواجبِ (الشباب) في طلبِها، والانتفاعِ بها.

ومثالُ المختلفينِ، قوله تعالى: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) [هود/54] ، أي: إني أشهدُ اللهَ وأشهدُكُم ، فتكونُ الجملةُ الثانيةُ في هذه الآية: إنشائيةً لفظًا، ولكنّها خبريةٌ في المعنَى .

الثاني - دفعُ توهُمِ غيرِ المرادِ، وذلك إذا اختلفتِ الجملتانِ في الخبريةِ والإنشائيةِ، وكان الفصل يُوهمُ خلافَ المقصودِ ، كما تقول مجيبًا لشخصٍ بالنفي: «لا - وشفاهُ اللهُ » لمن يسألكَ: هل برئَ عليٌّ منَ المرضِ ؟ « فتركُ الواو يُوهمُ السَّامعَ الدُّعاءَ عليه، وهو خلافُ المقصودِ، لأنَّ الغرضَ الدعاءُ لهُ» ،ولهذا وجبَ أيضًا الوصلُ ،

وعطفَ الجملةَ الثانيةَ الدُعائيةَ الإنشائيةَ على الجملةِ الأولى الخبريةِ المصوَّرةِ بلفظِ «لا» لدفعِ الإيهامِ، وكلٌّ منَ الجملتينِ لا محلَّ لهُ منَ الإعرابِ .

و كقولكَ في جوابِ من قالَ: (هل جاءَ زيدٌ) : (لا، وأصلحَك اللهُ) فإنكَ لو قلت: (لا أصلحَك اللهُ) توهَّمَ الدعاءَ عليه، والحالُ أنكَ تريدُ الدعاءَ له.

الثالثُ - إذا كان للجملةِ الأولى محلٌّ منَ الإعرابِ، وقصدَ تشريكَ الجملةِ الثانيةِ لها في الإعرابِ، حيثُ لا مانعَ، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ..} (25) سورة الحج ،حيث قُصدَ اشتراكُ (يصدّونَ) لـ (كفروا) في جعلهِ صلةً،و نحو: محمودٌ يقولُ، ويفعلُ .

الأسئلةُ:

عرفِ الوصلَ وهاتِ مثالًا عليه

عرفِ الفصلَ وهاتِ مثالًا عليه

بم تتحققُ بلاغةُ الوصل ِ؟

اذكر مواضعَ الوصل وهاتِ مثالا لكل ِّحالةٍ

البابُ الثاني - مواضعُ الفصلِ

الأصلُ في الجملِ المتناسقةِ المتتاليةِ أنْ تعطفَ بالواوِ، تنظيمًا للّفظٍ ، فأحيانًا تتقاربُ الجُملُ في معناها تقاربًا تامًّا، حتى تكونَ الجملةُ الثانيةُ كأنها الجملةُ الأولى، وقد تنقطعُ الصَّلةُ بينهما، إمَّا لاختلافهِما في الصورةِ، كأن تكونَ إحدى الجملتينِ إنشائيةً والأخرى خبريةً.وإمّا لتباعدِ معناهُما، بحيثُ لا يكونُ بين المعنيينِ مُناسبةٌ.

وفي هذهِ الأحوالِ يجبُ الفصلُ في كلِّ موضعٍ من المواضعِ الخمسةِ الآتيةِ وهي:

الموضعُ الأولُ - « كمالُ الاتصالِ» وهو اتحادُ الجملتيِن اتحادًا تامًا وامتزاجًا معنويًا ، بحيث تُنزَّلُ الثانيةُ من الأولى منزلةَ نفسِها كما في الحالات التالية:

«أ» - بأنْ تكونَ الجملةُ الثانيةُ بمنزلةِ البدل من الجملة ِالأولى، نحو قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} (133) سورة الشعراء .

« ب» - أو بأنْ تكونَ الجملةُ الثانيةُ بيانًا لإبهامٍ في الجملةِ الأولى، كقوله تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) [طه/120] ، فجملةُ (قال يا آدمُ) : بيانٌ لما وسوسَ به الشيطانُ إليه.

«جـ» - أو بأنْ تكونَ الجملةُ الثانيةُ مؤكدةً للجملةِ الأولى بما يشبهُ أنْ يكونَ توكيدًا لفظيًا أو معنويًا، كقوله تعالى: (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) [الطارق/17] ،وكقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة/8، 9] )، فالمانعُ من العطفِ في هذا الموضعِ اتحادُ الجملتينِ اتحادًا تامًا يمنعُ عطفَ الشيءِ على نفسِه ، ويوجبُ الفصلَ.

الموضعُ الثاني - « كمالُ الانقطاعِ» وهو اختلافُ الجملتينِ اختلافًا تامًا، كما في الحالتين الآتيتين:

(1) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 9)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت