فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 101

وكأن النجوم بينَ دجاها سُننٌ لاحَ بَينهُنَّ ابتداعُ

فإنَّ جمالَ هذا التشبيهِ جاءَ من شعورِكَ ببراعةِ الشاعر، وحِذْقِه في عقدِ المشابهةِ بين حالتينِ، ما كانَ يخطرُ بالبالِ تشابهُهما، وهما حالةُ النجومِ في رُقعةِ الليل، بحالِ السُّننِ الدِّينية الصحيحةِ، متفرقةً بين البدَعِ الباطلةِ،ولهذا التشبيهِ روعةٌ أخرى، جاءت من أنَّ الشاعرَ تخيَّلَ أنَّ السُّننَ مضيئةٌ لمَّاعةٌ، وأنَّ البِدعَ مظلمةٌ قاتمةٌ.

و من أبدعِ التشبيهاتِ قولُ المتنبي (1) :

بَليتُ بِلى الأطْلالِ إنْ لم أقِفْ بها وُقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التُّرْبِ خاتمُهْ

يدعو الشاُعر على نفسهِ بالبلى والفناءِ، إذا هو لم يقفْ بالأطلال، ليذكرَ عهدَ من كانوا بها، ثم أرادَ أن يصوِّرَ لك هيئةَ وقوفهِ،فقال: كما يقفُ شحيحٌ فقدَ خاتمهُ في التراب، من كان يُوَفَّقُ إلى تصويرِ حالِ الذَّاهلِ المتحيرِ المحزونِ، المطرقِ برأسه، المنتقلِ من مكانٍ إلى مكان ٍفي اضطرابٍ ودهشةٍ، بحالِ شحيحٍ فقد في الترابِ خاتمًا ثمينًا.

هذه بلاغةُ التشبيهِ من حيثُ مَبلغُ طرافتهِ، وبُعد مرماه، ومقدار ما فيه من خَيالٍ.

أما بلاغتهُ من حيثُ الصورةُ الكلاميةُ الّتي يوضع فيها، فمتفاوتةٌ أيضًا.

فأقلُّ التشبيهاتِ مرتبة في البلاغة ما ذُكرتْ أركانهُ جميعُها، لأنَّ بلاغةَ التشبيهِ مبنيةٌ على ادعاءِ أنَّ المشبَّهَ عينُ المشبَّهِ به، ووجودَ الأداةِ، ووجهَ الشبه معًا، يَحُولانِ دُون هذا الادّعاءِ; فإذا حذفتِ الأداةُ وحدَها، أو وجهُ الشبَّهِ وحدَهُ، ارتفعتْ درجةُ التشبيهِ في البلاغةِ قليلًا، لأنَّ حذفَ أحدَ هذين يُقوّي ادعاءَ اتحادِ المشبَّه والمشبَّه به بعضَ التقويةِ ـ أمَّا أبلغُ أنواعِ التشبيهِ «فالتشبيهُ البليغُ» ، لأنه مبنيٌّ على ادعاءِ أنَّ المشبَّهَ و المشبَّهَ به شيءٌ واحدٌ.

هذا ـ وقد جرَى العربُ والمُحدَثون على تشبيهِ: الجوادِ بالبحرِ والمطرِ، والشجاعِ بالأسدِ، والوجهِ الحسنِ بالشمسِ و القمرِ، والشهمِ الماضي في الأمور بالأحلامِ ،والوجهِ الصبيحِ بالدينارِ، والشَّعرِ الفاحمِ بالليلِ، والماءِ بالسيفِ، والعالي المنزلةِ بالنَّجمِ، والحليمِ الرَّزينِ بالجبَلِ، والأمانِي الكاذبةِ بالعنقاءَ، والماءِ الصافي باللُّجَيْنِ، والليلِ بموجِ البحرِ، والجيشِ بالبحرِ الزَّاخرِ،والخَيْلِ بالرِّيحِ والبَرْقِ، والنجومِ بالدُّررِ والأزهارِ، والأسنانِ بالبَرَدِ واللؤلؤِ، والسفنِ بالجبالِ، والجداولِ بالحيَّاتِ المُلتويةِ، والشيبِ بالنهارِ ولَمعِ السيوفِ، وغُرَّةِ الفرسِ بالهلالِ، ويشبِّهونَ الجبانَ بالنَّعامةِ والذبابةِ، واللئيمَ بالثعلبِ، والطائشَ بالفرَاشِ، والذليلَ بالوَتدِ، والقاسيَِ بالحديدِ والصخرِ، والبليدِ بالحمارِ، والبخيلِ بالأرضِ الُمجْدِبةِ.

الأسئلةُ:

عرفْ علمَ البيان لغةً واصطلاحًا

ما هو موضوعُ علم البيان ؟

ما فائدةُ علم البيان وثمرته ؟

عرف التشبيهَ لغةً واصطلاحًا وهاتِ مثالا عليه

عدد أركانَ التشبيهِ مع التمثيل

بين أربعًا من فوائدِ التشبيه

بين صور قوعِ التشبيه البليغ مع التمثيل

هات مثالا يدلُّ على بلاغة التشبيه

الفصلُ الثاني - في المجازِ(2)

*-تمهيدٌ:

المجازُ مُشتقٌّ من جازَ الشيء يَجوزُه إذا تَعَدَّاهُ ،سَمَّوا به اللّفظَ الذي نُقِلَ من معناهُ الأصلي، واستُعمِلَ ليدُلّ على معنى غيرهِ، مناسبٍ لهُ.

والمجازُ من أحسنِ الوسائل البيانيَّةِ الّتي تهدي إليها الطبيعةُ; لإيضاحِ المعنى، إذْ به يخرجُ المعنى متَّصِفًا بصفةٍ حِسّيةٍ، تكادُ تعرضهُ على عيانِ السَّامعِ، لهذا شغفتِ العربُ باستعمالِ المجاز لميلِها إلى الاتساعِ في الكلام، وإلى الدلالةِ على كثرةِ معاني الألفاظِ، ولما فيه من الدِّقةِ في التعبيرِ، فيحصلُ للنفس به سرورٌ وأريحيَّةٌ، ولأمرٍ مَّا كثرَ في كلامِهم، حتى أتوا فيه بكلِّ معنًى رائقٍ، وزيّنوا به خُطبَهم وأشعارَهم.

وفي هذا الباب مباحثٌ:

المبحثُ الأولُ -في تعريف المجاز وأنواعه

* تعريفُهُ:المجازُ هو اللفظُ المستعملُ في غير ما وضعَ له في اصطلاحِ التخاطَب لعلاقةٍ، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة ِ المعنى الوضعيِّ.

والعلاقةُ: هي المناسبةُ بين المعنَى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ، قد تكونُ (المشابهةَ) بين المعنيينِ، وقد تكونُ غيرَها،فإذا كانتِ العلاقةُ (المشابهةَ) فالمجازُ (استعارةٌ) ، وإلا فهو (مجازٌ مرسلٌ)

والقرينةُ: هي المانعةُ من إرادة المعنى الحقيقيِّ، قد تكون لفظيةً، وقد تكونُ حاليةً - كما سيأتي-

وينقسمُ المجازُ: إلى أربعةِ أقسامٍ - مجازٌ مفردٌ مرسلٌ، ومجازٌ مفردٌ بالاستعارةِ « ويجريانِ في الكلمةِ» ومجازٌ مركبٌ مرسلٌ، ومجازٌ مركبٌ بالاستعارةِ « ويجريانِ في الكلامِ»

ثمّ إنّ المجازَ على قسمينِ:

1 -لغويُّ، وهو استعمالُ اللفظ في غير ما وضع له لعلاقةٍ ، بمعنى مناسبةِ بين المعنى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ ـ يكون الاستعمالُ لقرينةٍ مانعةٍ من إرادةِ المعنى الحقيقيِّ، وهي قد تكون لفظيّةً، وقد تكون حاليّةً، وكلّما أطلقَ المجازُ، انصرفَ إلى هذا المجازِ ، وهو المجازُ اللغويُّ. والمجازُ المرسلُ

(1) - تاريخ النقد الأدبي عند العرب - (ج 1 / ص 334) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 188) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 123) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 97) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 83) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 412)

(2) - الخلاصة في علوم البلاغة كامل - (ج 1 / ص 5) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 12)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت