*- تعريفهُ: هو أنْ يخرجَ المتكلمُ منَ الغرض الذي هو فيه إلى غرضٍ آخرَ لمناسبةٍ بينهُما، ثم يرجع فينتقلُ إلى إتمامِ الكلامِ الأولِ، كقول السموأل (1) :
وَإِنّا لَقَومٌ لا نَرى القَتلَ سُبَّةً إِذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنا لَنا وَتَكرَهُهُ آجالُهُم فَتَطولُ
فسياقُ القصيدةِ، للفخرِ بقومهِ، وانتقل منه إلى هجوِ قبيلتي عامرٍ وسلولٍ، ثم عاد إلى مقامه الأول، وهو الفخرُ بقومه، وكقول الشاعر (2) :
لنا نفوسٌ لنيلِ المجدِ عاشقةٌ فإنْ تسلتَ أسلناها على الأسلِ
لا ينزلُ المجدُ إلا في منازلنا كالنوم ليسَ له مأوى سوىِ المقَلِ
وقال الأصمعي (3) : كنت عند الرشيد فدخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فقال: أنشدني من شعرك، فأنشدَه:
وآمِرَةٍ بالبُخْلِ، قُلتُ لها: اقْصِري ... فذلكَ شَيْءٌ ما إليه سَبِيلُ
فمِنْ خَيْرِ حالاتِ الفَتَى لو عَلِمْتِهِ ... إذا نالَ شَيْئًا أنْ يَكُونَ يُنِيلُ
فإِنِّي رَأَيْتُ البُخْلَ يُزْرِي بأَهْلِهِ ... فأَكْرَمْتُ نَفْسِي أنْ يُقالَ بَخِيلُ
فِعالِي فِعالُ المُكْثِرِينَ تَكَرُّمًا ومالِي قد تَعْلَمِينَ قَلِيلُ
أَرَى النّاسَ خُلاّنَ الجَوادِ، ولا أرَى ... بَخِيلًا له في العَالَمِينَ خَلِيلُ
وكَيْفَ أَخافُ الفَقْرَ أو أحْرَمُ الغِنَى ... ورَأْيُ أَمِيرِ المُؤْمِنينَ جَمِيلُ
فقال الرشيدُ: يا فضلُ؛ أَعطهِ عشرينَ ألفَ درهم. ثم قالَ: للهِ أبياتٌ تأتينا بها يا إسحاقُ ما أتقنَ أصولَها، وأبينَ فصولَها، وأقلَّ فضولَها!
فقالَ: واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ، لا قبلتُ منها درهمًا واحدًا.
قال: ولمَ؟
قالَ: لأنّ كلامَك، واللهِ، خيرٌ من شِعري. فقال: يا فضلُ؛ ادفع إليه أربعين ألفًا.
قال الأصمعيُّ: فعلمتُ أنه أصيدُ لدراهمِ الملوكِ منيِّ.
و قال جريرٌ يهجو الفرزدقَ (4) :
أعددتُ للشعراء ِ سمًّا ناقعًا فسقيتُ آخرَهمْ بكأسِِ الأولِِ
لمّا وَضَعْتُ على الفَرَزْدَقِ مِيسَمي، و ضغا البعيثُ جدعتُ أنفَ الأخطلِِ
*- تعريفُُه: هو الجمعُ بين فنَّين مختلفينِ، كالغزلِ، والحماسةِ، والمدحِ، والهجاءِ والتعزيةِ والتهنئةِ، ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى (6) : {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (112) سورة الأنبياء ،فإنَّ ظاهرَ اللفظ يوهمُ أنَّ لفظةَ بالحقِّ مستغنًى عنها، للعلمِ بأنَّ الله سبحانه لا يحكمُ إلا بالحقِّ، فإنه قد ثبتَ أنه موصوفُ بالعدلِ بالدليلِ العقليِّ، فعدلَ عن المساواةِ، وأتى بهذه الزيادةِ ليضمِّنَ الكلامَ ضربًا من المحاسنَ يسمَّى الافتنانَ، فإنَّ المرادَ تعجيلُ ما يستحقُّه الكفارُ من العذابِ، ولذلك حصلَ في الكلام افتنانٌ، وهو الجمعُ بينَ الأدبِ والهجاءِ، لأنَّ مَنْ يستحقَّ الدعاءَ عليهِ بالعقوبةِِ ملومٌ، والله أعلم.
ونحو ذلك كما في التعزية التالية (7) :
«لما تُوُفِّيَ معاويةُ رضي الله عنه واستُخْلِف يزيدُ ابنه اجتمع الناسُ على بابه، ولم يقدروا على الجمع بين تهنئة وتعزية، حتَّى أتى عبدُ الله بن همام السُّلولي، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، آجَرَك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعيَّة، فقد رُزئتَ عظيمًا، وأُعْطِيتَ جسيمًا، فاشْكُرِ اللّه على ما أُعطيت، واصبرْ له على ما رُزِيت؛ فقد فقدتَ خليفة الله، ومُنِحْتَ خِلافة الله؛ ففارقتَ جليلًا، وَوُهِبْتَ جزيلًا؛ إذْ قضى مُعاوِيةُ نَحْبه، فغفر اللّه ذَنْبَه؛ وولَيت الرياسة، فأُعطيت السياسة؛ فأوردك اللّه موارِدَ السرور، ووفقك لصالح الأمور» وأنشده:
اصِبْرْ، يَزيدُ، فقد فارقْتَ ذا ثقة .. واشْكُرْ حِبَاء الذِي بالمُلْكِ أصْفاكا
لا رُزْءَ أَصبَح في الأقوام نَعْلَمه كما رُزِئتَ ولا عُقْبَى كعُقْباكا
أصْبحْتَ واليَ أمرِ الناسِ كلهم فأَنْتَ ترْعاهُمُ واللَّهُ يَرْعاكا
(1) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 16) ومنتهى الطلب من أشعار العرب - (ج 1 / ص 368) ونقد الشعر - (ج 1 / ص 35) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 21 / ص 389) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 60 / ص 487) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 127)
(2) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 15)
(3) - زهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 429) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 121) والمحاسن والمساوئ - (ج 1 / ص 188) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 19) ومعجم الأدباء - (ج 1 / ص 230) والعقد الفريد - (ج 1 / ص 72) وأمالي القالي - (ج 1 / ص 15)
(4) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 17) ومنتهى الطلب من أشعار العرب - (ج 1 / ص 181) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 122) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 429) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 162) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 15 / ص 52) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 127)
(5) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 7 / ص 79) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 55) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 55و118و130) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 318) وصبح الأعشى - (ج 4 / ص 231) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 220) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 15)
(6) - تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 55)
(7) - العمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 162) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 22)