والأصل ُفي كأنَّ، وشابهَ، وماثلَ، وما يرادفها، أنْ يليه المشبَّهُ، نحو قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} (24) سورة الطور، وقوله تعالى: {تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} (20) سورة القمر . وقوله تتعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} (50) سورة المدثر ، وقوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ } (65) سورة الصافات،و مثل قول الشاعر (1) :
كأنَّ الثُرَيَّا راحَة ٌ تَشُبرُ الدُّجى لتعلمَ طالَ اللَّيلُ لي أَم تعرَّضا
وكأنّ تفيدُ التشبيهَ إذا كانَ خبرُها جامدًا، نحو: كأنَّ البحرَ مرآةٌ صافيةٌ.
وتفيد الشكَّ إذا كان خبرُها مشتقًًّا، نحو: كأنكَ فاهمٌ، ومثل قول الشاعر (2) :
كأنكَ منْ كلِّ النفوسِ مُركبٌ ... فأنتَ إلى كلِّ النفوسِ حبيبُ
وقد يغني عن أداةِ التشبيهِ فعلٌ يدلُّ على حال التشبيهِ، ولا يعْتبرُ أداةً ،فإنْ كان الفعلُ لليقين، أفادَ قربَ المشابهةِ، لما في فعلِ اليقينِ من الدلالة على تيقنِ الاتحادِ وتحققهِ، وهذا يفيد التشبيهَ مبالغةً، نحو قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (24) سورة الأحقاف، ونحو: رأيت ُالدنيا سرابًا غرّارًا.
وإنْ كانَ الفعلُ للشكِّ أفادَ بُعدَها، لما في فعلِ الرجحانِ من الإشعارِ بعدمِ التحققِ، وهذا يفيد التشبيهُ ضعفًا،
كقوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا } (19) سورة الإنسان .
ونحو قول الشاعر (3) :
قومٌ إذا لبسوا الدروعَ حسبْتَها سُحُبًا مزرَّرة ً على أقمارِ
ينقسمُ التشبيهُ باعتبار أداتهِ إلى:
أ - التشبيهُ المرسَلُ: هو ما ذكرِتْ فيه الأداةُ، كقول الشاعر (4) :
إنما الدنيا كبيتٍ ... نسجتْهُ العنكبوتُ
ب ـ التشبيهُ المؤكَّدُ: هو ما حذفتْ منه أداته، نحو: يسجعُ سجعَ القمريِّ ،وكقول الشاعر (5) :
أَنْتَ نجْمٌ في رِفْعةٍ وضِياءٍ تجْتَليكَ الْعُيُونُ شَرْقًا وغَرْبا
ومن المؤكدِ ما أضيفَ فيه المشبَّهُ به إلى المشبَّه، كقول الشاعر (6) :
وَالرِّيحُ تَعبَثُ بِالْغُصُونِ، وقَدْ جَرَى ... ذَهَبُ الأَصيلِ عَلى لُجَيْنِ الْمَاءِ
أي أصيلٌ كالذهبِ على ماءِ كاللجَين.
والمؤكَّدُ أوجزُ، وأبلغ، وأشدُّ وقعًا في النفس.أما أنه أوجز فلحذف أداته، وأما أنه أبلغ فلإيهامه أن المشبه عين المشبَّهِ به.
ج-التشبيهُ البليغُ:هو ما حُذفتْ فيه أداةُ التشبيهِ ووجهُ الشبَّهِ، نحو قوله تعالى: { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } [البقرة/187] وكقول الشاعر (7) :
فاقضُوا مآربَكُم عِجالًا إنما أعمارُكم سفَرٌ من َالأسفارِ
ونحو قول الشاعر (8) :
عزماتهُم قُضُبٌ، وفيضُ أكفهم ... سحبٌ، وَبِيضُ وجوههم أقمارُ
والتشبيهُ البليغُ ما بلغَ درجةَ القبولِ لحسنهِ،أو الطيِّبَ الحسنِ، فكلما كانَ وجهُ الشبهِ قليلَ الظهور، يحتاجُ في إدراكهِ إلى إعمالِ الفكر كانَ ذلك أفعلَ في النفسِ وأدعَى إلى تأثُّرِها واهتزازِها، لما هو مركوزٌ في الطبعِ، منْ أنَّ الشيءَ إذا نيلَ بعدَ الطلبِ له، والاشتياقِ إليه، ومعاناة ِالحنينِ نحوَه كان نيلُه أحلَى، وموقعُه في النفس أجلَّ و ألطفَ، وكانتْ به أضنَّ وأشغفَ، وما أشبهَ هذا الضربُ من المعاني، بالجوهر في الصَّدفِ، لا يبرزُ إلا أنْ تشقَّهُ.
وسببُ هذه التسميةِ أنَّ ذكرَ الطرفينِ فقط، يوهمُ اتحادَهما، وعدمَ تفاضلهِما، فيعلو المشبَّهُ إلى مستوى المشبَّهِ به، وهذه هي المبالغةُ في قوةِ التشبيهِ.
*-صورُ وقوعِ التشبيهِ البليغ:
يقع التشبيهُ البليغُ على الصورِ الآتيةِ:
أنَ يقعَ المشبَّهُ به خبرًا، نحو: صدورُ الأحرارِ قبورُ الأسرار ِ .
أنَ يقعَ مفعولًا ثانيًا في بابِ علمتَ ،نحو: علمتُ بذيءَ اللسانِ كلبًا عقورًا .
(1) - محاضرات الأدباء - (ج 2 / ص 69) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 177) و نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 33) والمستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 423) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 72 / ص 415) و (ج 90 / ص 129) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 138)
(2) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 117) والمستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 32) والإعجاز والإيجاز - (ج 1 / ص 43) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 135)
(3) - الكشكول - (ج 1 / ص 410) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 37 / ص 78) و (ج 72 / ص 23)
(4) - المدهش - (ج 1 / ص 178) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 13 / ص 39)
(5) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 11) و الخلاصة في علوم البلاغة كامل - (ج 1 / ص 2) -- تجتليك: تنظر إليك.
(6) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 3 / ص 201) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 78) وتاج العروس - (ج 1 / ص 29) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 85) وجامع الدروس العربية للغلايينى - (ج 1 / ص 202) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 161)
(7) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 6 / ص 327) والمدهش - (ج 1 / ص 114) والكشكول - (ج 1 / ص 410) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 72 / ص 23) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 451)
(8) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 163)