واصطلاحًا: هو أن يطلقَ الكلامُ، ويُشارَ به إلى معنى آخرَ يفهَمُ من السياق نحو: قولك للمؤذي: « الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ .. » (1) ،تعريضًا بنفي صفة الإسلامِ عن المؤذي، وكقول المتنبي (2) :
إذا الجُودُ لم يُرْزَقْ خَلاصًا من الأذَى فَلا الحَمدُ مكسوبًا وَلا المالُ باقِيَا
2 -التلويحُ: لغةً: أنْ تشيرَ إلى غيركَ من بُعد.واصطلاحًا: هو الذي كثرتْ وسائطُه بلا تعريضٍ، نحو قول الشاعر (3) :
وما يكُ فيَّ مِن عيبٍ فإنِّي ... جَبَانُ الكلبِ مَهْزولُ الفصيلِ
كنَّى عن كرم الممدوحِ بكونه جبانَ الكلب، مهزولَ الفصيلِ، فإنَّ الفكرَ ينتقلُ إلى جملة وسائط.
3 -الرمزُ: لغةً: أنْ تشيرَ إلى قريبٍ منكَ خِفيةً، بنحو: شفةٍ، أو حاجبٍ.
واصطلاحًا: هو الذي قلَّتْ وسائطُه، مع خفاءٍ في اللزوم بلا تعريضٍ، نحو: فلانٌ عريضُ القفا، أو عريضُ الوسادةِ ، كنايةٌ عن بلادتهِ وبلاهتهِ (4) ، ونحو: هو مُكتنزُ اللحمِ، كنايةٌ عن شجاعتِه، ومتناسبُ الأعضاءِ كنايةٌ عن ذكائهِ ،ونحو: غليظُ الكبدِ (5) كناية ٌعن القسوةِ وهلمَّ جرًّا.
4 -الإيماءُ أو الإشارةُ: هو الذي قلَّتْ وسائطُه، مع وضوحِ اللزوم، بلا تعريضٍ، كقول الشاعر (6) :
أَو ما رَأيتَ المجدَ ألقَى رحلَهُ في آلِ طلحةً ثمَّ لم يَتحوَّلِ
كنايةٌ عن كونهم: أمجادًا أجوادًا، بغايةِ الوضوح.
و من لطيف ذلك قولُ بعض الشعراء (7) :
سألتُ الندَى والجُودَ ما لي أراكُما تبدَّلتُماذلًابعزٍّ مؤبدِِ
وما بالُ رُكنِ المجدِ أمسَى مهدَّمًا فقالا أُصبنَا بابن يحيى محمَّدِ
فقلتُ: فهلا متُّما عندَ موتِهِ فقدْ كنتما عبدَيهِ في كلِّ مَشْهدِ
فقالا: أقمنَا كي نُعزَّى بفقدِه مسافةَ يومٍ ثمَّ نتلوهُ في غدِ
ومثله قول دعبل (8) :
سألتُ النَّدى - لا عدمتُ النَّدى وقد كانَ منَّا زمانًا عزبْ
فقلتُ لهُ: طالَ عهدُ اللِّقا فهلْ غِبتَ باللّهِ، أمْ لَمْ تَغِبْ
فقالَ: بَلَى . لَمْ أَزَلْ غائبًا ولكنْ قدِمْتُ مَعَ المطَّلِبْ
ومثله قول الشاعر (9) :
سألتُ الندى: هل أنت حرٌّ؟؛ فقال: لا ... ولكنني عبدٌ ليحيى بن خالدِ
فقلتُ شراءً؟؛ قال: لا، بل وراثةً ... توارثني عن والدٍ بعدَ والدِ
ومثله قول الشاعر (10) :
سألتُ الندى والجودَ حرانِ أنتما؟ ... فقالا بلى عبدانِ بينَ عبيدِ
فقلتُ:ومنْ مولاكُما فتطاولا عليَّ وقالا:خالدَ بنَ يزيدِ
والكنايةُ من ألطف أساليبِ البلاغة وأدقِّها، وهي أبلغُ من الحقيقةِ والتصريحِ، لأنَّ الانتقالَ فيها يكون من الملزوم إلى اللازمِ فهو كالدعوَى ببينةٍ، فكأنكَ تقولُ في زيدٍ كثيرِ الرمادِ زيدٌ كريمٌ، لأنهُ كثيرُ الرمادِ ، وكثرتُه تستلزمُ كذا الخ، كيف لا وأنها تمكِّنُ الإنسانَ من التعبيرِ عن أمور كثيرةٍ، يتحاشَى الإفصاحُ بذكرها، إمَّا احترامًا للمخاطَبِ أو للإبهامِ على السامعينَ، أو للنيلِ من خصمهِ، دونَ أنْ يدعَ له سبيلًا عليه، أو لتنزيهِ الأذنِ عمَّا تنبو عن سماعِه ونحو ذلك من الأغراضِ واللطائفِ البلاغيةِ.
الكنايةُ مَظهرٌ من مظاهر البلاغةِ، وغايةٌ لا يصل إليها إلا من لطف طبعُه، وصفتْ قريحتُه، والسرُّ في بلاغتها أنها في صور كثيرةٍ تعطيك الحقيقةَ، مصحوبةً بدليلها، والقضيةً وفي طيِّها برْهانها، كقول البحتري في المديح:
يغضُّونَ فضلَ اللحظِ من حيثُ ما بدا لهمْ عن مهيبٍ في الصدورِ محببُ
فإنه كنَّى عن إكبار الناس للممدوحِ، وهيبتِهم إياه، بغضِّ الأبصارِ الذي هو في الحقيقة برهانٌ على الهيبة والإجلالِ،وتظهرُ هذه الخاصةُ جليةً في الكناياتِ عن الصفةِ والنسبةِ.
ومن أسباب بلاغةِ الكنايات أنها تضعُ لكَ المعاني في صورة المحسوساتِ، ولا شكَّ أن َهذه خاصةُ الفنون، فإنَّ المصورَ إذا رسم لك صورةً للأملِ أو لليأسِ، بهرَكَ وجعلكَ ترى ما كنتَ تعجزُ عن التعبير عنه واضحًا ملموسًا،فمثلُ كثيرِ الرمادِ في الكناية عن الكرمِ ،ورسول ُالشرِّ، في الكنايةِ عن المزاحِ.
وقول البحتريَِّ (11) :
أو ما رأيتَ المجْدَ ألقى رحلَهُ في آل طلحةَ ثمَّ لم ْ يتحوَّلِ
وذلك في الكنايةِ عن نسبةِ الشرف إلى آل طلحةَ.
كلُّ أولئك يبرز لك المعاني في صورة ٍ تشاهدُ، وترتاحُ نفسُك إليها.
(1) - أخرجه البخارى برقم (10 ) مرفوعا
(2) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 311) و البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 66) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 150) ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب - (ج 1 / ص 90) والجنى الداني في حروف المعاني - (ج 1 / ص 49) وجامع الدروس العربية للغلايينى - (ج 1 / ص 137)
(3) - محاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 299) وشرح ديوان الحماسة - (ج 2 / ص 5) والحيوان - (ج 1 / ص 116) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 105) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 177)
(4) - لسان العرب - (ج 7 / ص 165) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 105) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 177-179)
(5) - المعجم الوسيط - (ج 2 / ص 229)
(6) - شرح ديوان الحماسة - (ج 1 / ص 468) و (ج 2 / ص 49) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 179)
(7) - المستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 166) و (ج 2 / ص 5) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 179) والكشكول - (ج 1 / ص 390)
(8) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 15 / ص 473) والجليس الصالح والأنيس الناصح - (ج 1 / ص 318)
(9) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 55)
(10) - معجم الأدباء - (ج 1 / ص 455)
(11) - شرح ديوان الحماسة - (ج 1 / ص 468) وشرح ديوان الحماسة - (ج 2 / ص 49) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 179)