فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 101

ب -المرَشَّحةُ: هي التي قرنت بملائمِ المستعارِ منه ،أي المشبَّه به، نحو قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} (16) سورة البقرة ،استعيرَ الشراءُ للاستبدال والاختيارِ، ثم فرعَ عليها ما يلائم المستعارُ منه من الرِّبح والتجارة ونحو من باعَ دينهُ بدنياه لم تربحْ تجارَته.وسميتْ مرشحةً لترشيحِها وتقويتِها بذكر الملائِم، وترشيحُ الاستعارةِ التصريحيةِ متفَقٌ عليه.

ج -المجرَّدةُ: هي التي قرنت بملائمِ المستعارِ له أي لمشبَّه نحو: اشتَر بالمعروف عِرْضَكَ من الأَذى.

و سمِّيتْ بذلك: لتجريدِها عن بعض المبالغةِ، لبعدِ المشبَّه حينئذ عن المشبَّه به بعض بُعدٍ; وذلك يبعد دعوى الاتحادِ الذي هو مبنى الاستعارة.

ثم اعتبار الترشيحِ والتجريدِ، إنما يكونُ بعد تمام الاستعارةِ بقرينتها سواء أكانت القرينةُ مقاليةً أم حالية ً ،فلا تعدُّ قرينةُ المصرحةِ تجريدًا ولا قرينةُ المكنيةِ ترشيحًا ،بل الزائد على ما ذكر.

واعلمْ أنَّ الترشيحَ أبلغُ من غيره، لا شتمالِه على تحقيقِ المبالغة بتناسي التشبيه، وادعاءِ أنَّ المستعارَ له هو نفسُ المستعار منه لا شيءٌ شبيهٌ به، وكأن الاستعارةَ غيرُ موجودةٍ أصلًا، والإطلاقُ أبلغُ من التجريدِ، فالتجريدُ أضعفُ الجميع، لأن َّبه تضعفُ دعوى الاتحادِ.

و إذا اجتمع ترشيحٌ وتجريدٌ: فتكونُ الاستعارة ُفي رُتبةِ المطلقةِ، إذ بتعارضِهما يتساقطانِ، كما سبق تفصيلُه.

و كما يجري هذا التقسيمُ في التصريحيةِ يجري أيضًا في المكنيةِ .

المبحثُ الحادي عشر-في المجاز المُرسل المركَّب(1)

*- تعريفُه:هو الكلام المستعملُ في غير المعنى الذي وضعَ له، لعلاقةٍ غير المشابهة، مع قرينة مانعةٍ من إرادة معناه الوضعيِّ.

ويقعُ أولا- في المركبات الخبريةِ المستعملة في الإنشاءِ وعكسهِ، لأغراضٍ منها:

1 -التَّحَسُّر وإظهارُ التأسف، كما في قول البارودي (2) :

ذهبَ الصبا ، وَ تولتِ الأيامُ فعلى الصبا ، وَ على َ الزمانِ سلامُ

فإنه وإن كان خبرًا في أصل وضعه، إلا أنه في هذا المقَام مستعملٌ في إنشاء التحَّسرِ والتحزنِ على ما فات من الشباب.

و كما في قول جعفر بن عُلبة الحارثي (3) :

هَوايَ مع الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ ... جَنِيبٌ وجُثْمانِي بمَكَّةَ مُوثَقُ

فهو يشير إلى الأسف والحزنِ الذي ألمَّ به من فراق الأحبة، ويتحسَّرُ على ما آل إليه أمره، والقرينةُ على ذلك حالُ المتكلم، كما يفهم من الشطر الثاني في قوله هَوَاىَ، الخ.

2 -إظهارُ الضعف، كما في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {.. رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (24) سورة القصص ،و كما في قول الشاعر (4) :

رَبَّ إني لا أستطيعُ اصطبارًا فاعفُ عنِّي يا منْ يقيلُ العثارا

3 -إظهارُ السرور، نحو: كُتِبَ اسمي بين الناجحين.

4 -الدعاءُ، نحو: نجَّحَ اللهُ مقاصدنا، أيها المجاهدُ لك البقَاءُ.

وثانيًا- في المركبات الإنشائية،كالأمر، والنهي، والاستفهام، التي خرجت عن معانيها الأصليةِ، واستعملت في معان أُخر: كما في قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كذَب على متعمدًا فلْيَتَبوأ مقعده من النارِ» (5) .إذ المراد «يتبوأُ مقعدهُ» والعلاقةُ في هذا السَّببيَّة والمسببيةِ، لأنَّ إنشاء المتكلم للعبارة سببٌ لإخبارهِ بما يتضمَّنُهُ، فظاهره أمرٌ،ومعناه خبرٌ.

المبحثُ الثاني عشر - في بلاغة الاستعارة (6)

سبق لكَ أَنَّ بلاغة التشبيه آتية من ناحيتين: الأُولى تأْليف أَلفاظه، والثانيةِ ابتكار مشبَّه به بعيد عن الأَذهانِ، لا يجول إِلا في نفسِ أديبِ وهبَ الله له استعدادًا سليمًا في تعرُّف وجوه الشَّبه الدقيقةِ بين الأَشياء، وأودعه قدْرةً على ربط المعاني وتوليدِ بعضها من بعض إلى مدًى بعيدٍ لا يكاد ينتهي.

وسرُّ بلاغةِ الاستعارة لا يتعدى هاتين الناحيتين، فبلاغتُها من ناحية اللفظ. أنَّ تركيبها يدل على تناسي التشبيه، ويحمْلك عمدًا على تخيُّل صورة جديدة تُنْسيك رَوْعَتُها ما تضمَّنه الكلام من تشبيه خفي مستور.

انظر إِلى قول البحتريِّ في الفتح بن خاقان (7) :

يَسمُو بكَفٍّ، على العافينَ، حانيَةٍ، تَهمي، وَطَرْفٍ إلى العَلياءِ طَمّاحِ

ألست ترى كفّه وقد تمثَّلتْ في صورة سحابة هتَّانة تصُبُّ وبلها على العافين السائلين، وأنَّ هذه الصورة قد تملكتْ عليك مشاعرك فأذْهلتْكَ عما اختبأَ في الكلام من تشبيه؟

وإذا سمعتَ قوله في رثاء المتوكل وقد قُتلَ غِيلةً (8)

(1) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 14) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 7)

(2) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 28 / ص 326)

(3) - الحماسة البصرية - (ج 1 / ص 158) وخزانة الأدب - (ج 4 / ص 40) وشرح ديوان الحماسة - (ج 1 / ص 11) وتاج العروس - (ج 1 / ص 3008) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 80) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 41)

(4) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 14)

(5) - أخرجه البخارى برقم (1291) ومسلم برقم (4)

(6) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 14) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 7)

(7) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 29 / ص 385) - العافين: سائلي المعروف، وحانية: عاطفة شفيقة، وتهمى: تسيل، والطرف: البصر، والطماح: الذي يغالي في طلب المعالى والسعى وراءها.

(8) - زهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 88) و تراجم شعراء موقع أدب - (ج 34 / ص 286)

-الصريع: المطروح على الأرض، وتقاضاه أصله تتقاضاه حذفت إحدى التاءين؛ وهو من قولهم تقاضى الدائن منه إذا قبضه، والحشاشة: بقية الروح في المريض والجريح؛ يصفه بأنه ملقى على الأرض يلفظ النفس الأخير من حياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت