* - تعريفُه: هو أنْ يوردَ المتكلِّم ُعلى صحة ِدعواه ُحُجَّةً قاطعةً مسلَّمةً عند المخاطبِ، بأنْ تكونَ المقدماتُ بعدَ تسليمِها مستلزمةً للمطلوب، كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (22) سورة الأنبياء ،واللازمُ وهو الفسادُ باطلٌ، فكذا الملزومُ وهو تعددُ الآلهةِ باطلٌ، وليس شيءٌ أدلَّ على ذلك من الحقيقةِ والواقعِ،وكقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} (5) سورة الحج، ونحو قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..} (27) سورة الروم، أي وكلُّ ما هو أهونُ عليه فهو أدخلُ تحتَ الإمكانِ، فالإعادةُ ممكنةٌ.
وسمِّيَ هذا النوعُ بالمذهبِ الكلاميِّ لأنه جاء على طريقةِ علم ِالكلامِ والتوحيدِ، وهو عبارة ٌعن إثباتِ أصولِ الدينِ بالبراهينِ العقليةِ القاطعةِ.
وكقول النابغة يعتذر للنعمان (1) :
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً،...وهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وهْوَ طائِعُ
لَعَمْرِي، وما عَمْرِي عليَّ بِهَيِّنٍ ... لقَدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عليَّ الأَقارِعُ
أَقارِعُ عَوْفٍ، لا أُحاوِلُ غَيْرَها، ... وُجُوهٌ كِلابٍ تَبْتَغِي مَن تُجادِعُ
فإِنْ كنتَ لاذا الضِّغْنِ عنِّي مُكَذِّبًا، ... ولا حَلفِي على البَراءةِ نافِعُ
ولا أَنا مَأْمُونٌ بقَوْلٍ أَقُولُهُ وأَنْتَ بِأَمْرٍ لا مَحالَةَ واقِعُ
فإنَّكَ كاللَّيْلِ الذي هو مُدْرِكِي ... وإِنْ خِلْتُ أَنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ واسِعُ
خَطاطِيفُ حُجْنٌ في حِبالٍ مَتِينَة تَمُدُّ بِها أَيْد إِليكَ نَوازِعُ
سيَبْلُغُ عُذْرًا أَو نجَاحًا مِن امْرِىءٍ ... إِلى رَبِّهِ، رَبِّ البَريَّةِ، راكِعُ
يقول:أنتَ أحسنتَ إلى قومٍ فمدحوكَ وأنا أحسِنُ إلى قومٍ فمدحتُهم فكما أنَّ مدحَ أولئكَ لا يعدُّ ذنبًا فكذلكَ مدحي لمنْ أحسنَ إليَّ لا يعدُّ ذنبًا
وفي رواية أخرى عنه يقول (2) :
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... ولَيْسَ وَراء اللّهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ
لَئِنْ كنتَ قد بُلِّغْتَ عنِّي خِيانَةً ... لَمُبْلِغُكَ الواشِي أَغَشُّ وأَكْذَبُ
ولسْتَ بمُسْتَبْبقٍ أَخًا لا تَلُمُّهُ ... على شَعَثٍ، أَيُّ الرِّجال المُهَذَّبُ
ولكنَّنِي كنتُ امْرأَ لِيَ جانِبٌ ... مِن الأَرْضِ فِيه مُسْتَرادٌ ومَطْلَبُ
مُلُوكٌ وإِخْوانٌ إِذا ما أَتَيْتُهُمْ أُحَكَّمُ في أَمْوالِهِمْ وأُقَرَّبُ
كفِعْلِكَ في قَوْمٍ أَراكَ اصْطَنَعْتَهُم ... فَلَمْ تَرَهُمْ في شُكْرِ ذلكَ أَذْنَبُوا
أَلَمْ تَر أَنَّ اللّهَ أَعْطاكَ سُورَةً تَرَى كلَّ ملْكِ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
فإِنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ ... إِذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهنَّ كَوْكَبُ
*- تعريفُه: لغة ًإزالةُ الشيء عن غيرهِ.
واصطلاحًا: أنْ ينتزع َالمتكلِّم ُمن أمر ذي صفةٍ أمرًا آخرَ مثله ًفي تلك الصفةِ مبالغةً في كمالهِا في المنتَزعِ منه، حتى أنه قدْ صارَ منها بحيثُ، يمكن ُأن ْينتزَعَ منه موصوفٌ آخرُ بها،
وأقسامُ التجريدِ كثيرةٌ منها:
أ - ما يكونُ بواسطةٍ مِنْ التجريديةِ، كقولك: لي «مِنْ» فلانٍ صديقٌ حميمٌ، أي بلغَ فلانٌ من َالصداقةِ حدًّا صحَّ معه أنْ يستخلصَ منه آخرُ مثلهُ فيها.
ونحو قول الشاعر:
ترى منهمُ الأسدَ الغضاب َ إذا سطوا وتنظر ُمنهم في اللقاءِ بدورا
ب - ما يكونُ بواسطةِ «الباء» التجريديةِ الداخلة ِعلى المنتزَع ِمنهُ،نحو قولهم: لئنْ سألتَ فلانًا لتسألنَّ به البحرَ، بالغ َفي اتصافِه بالسماحةِ، حتى انتزعَ منه بحرًا فيها. و نحو: (شربت ُبمائها عسلًا مصفَّى...) . فكأنَّ حلاوةَ ماءِ تلكِ العين الموصوفةِ وصلتْ إلى حدٍّ يمكنُ انتزاعُ العسل ِمنها حينَ الشُّربِ.
ج -ما لا يكونُ بواسطةٍ، نحو قوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } (12) سورة التوبة] ، وكقوله: (وسألتُ بحرًا إذ سألتُه) جرّدَ منه بحرًا من العلمِ، حتى أنه سألَ البحرَ المنتزَع منه إذْ سألهُ.
(1) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 117) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 21) ولباب الآداب لأسامة بن منقذ - (ج 1 / ص 105) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 171) ولباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 31) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 13) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 16) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 264) والشعر والشعراء - (ج 1 / ص 25) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 19) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 337) وطبقات فحول الشعراء - (ج 1 / ص 9)
(2) - الحماسة البصرية - (ج 1 / ص 51)
(3) - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 146) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 313) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 96) المعجم الوسيط - (ج 1 / ص 240) والخصائص - (ج 1 / ص 235) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 415) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 15) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 6)