فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 101

«أ» - بأنْ يختلفا خبرًا وإنشاءً، لفظًا ومعنًا، أو معنًى فقط، نحو: حضرَ الأميرُ حفظَهُ اللهُ، ونحو: تكلَّمْ إني مصغٍ إليكَ ، وكقول الشاعر (1) :

وَقَالَ رَائِدُهم أرْسُوا نُزَاوِلُهَا وكل حَتْفِ امرِئِ يجري بمقدارِ

«ب» - أو بألا تكونَ بينَ الجملتينِ مناسبةٌ في المعنَى ولا ارتباطٌ، بل كلٌّ منهما مستقلٌّ بنفسِه ، كقولك: زيدٌ كاتبٌ ، الحمامُ طائرٌ، فإنه لا مناسبةَ بين كتابةِ زيدٍ وطيرانِ الحمامِ.

وكقول الشاعر (2) :

إنّما المرءُ بأصغريهِ كلٌّ امرئٍ رهنٌ بما لديهِ (3)

فالمانعُ منَ العطفِ في هذا الموضع «أمرٌ ذاتيٌّ» لا يمكنُ دفعهُ أصلا ًوهو التباينُ بين الجملتينِ، ولهذا وجبَ الفصلُ، وترك َالعطفُ،لأنَّ العطفَ يكون للربطِ، ولا ربطَ بين جملتينِ في شدَّةِ التباعدِ وكمال الانقطاعِ.

الموضعُ الثالثُ - « شبهُ كمالِ الاتصالِ» وهو كونُ الجملةِ الثانيةِ قويةَ الارتباطِ بالأولى، لوقوعِها جوابًا عن سؤالٍ يفهمُ من الجملةِ الأولى فتُفصلُ عنها، كما يفصَلُ الجوابُ عن السؤال ، كقوله تعالى على لسان النبي يوسف عليه السلامُ: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ) [يوسف/53] ، ونحو قول الشاعر (4) :

زعَمَ العَواذلُ أنني في غَمْرَةٍ ... صَدَقوا ولكنْ غْمَرتي لا تَنْجَلي

كأنه سئلَ: أصدقوا في زعمهِم أم كذبوا ؟ فأجاب: صدَقوا

ونحو قول أبي تمام (5) :

السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ في حدِّهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ

فكأنه استفَْهِمَ، وقال: لمَ كانَ السيفُ أصدقَ؟: فأجابَ بقولهِ: في حدِّه: الخ ،فالمانعُ من العطفِ في هذا الموضعِ وجودُ الرابطةِ القويةِ بين الجملتينِ، فأشبهتْ حالةَاتحادِ الجملتين ، ولهذا وجبَ أيضًا الفصلُ .

الموضعُ الرابعُ- « شبهُ كمالِ الانقطاعِ» وهو أنْ تُسبقَ جملةٌ بجملتينِ يصحُّ عطفُها على الأولَى لوجودِ المناسبة، ولكنْ في عطفِها على الثانيةِ فسادٌ في المعنَى، فيُتركُ العطفُ بالمرَّةِ دفعًا لتوهّمِ أنه معطوفٌ على الثانيةِ ، نحو قول الشاعر (6) :

وتَظُنُّ سَلمى أنني أبغي بها ... بَدَلًا أراها في الضلال تهيمُ

فجملةُ « أُراها» يصحُّ عطفُها على جملةِ « تظنُّ» لكنْ يمنعُ من هذا توهّمُ العطفِ على جملةِ « أبغي بها» فتكونُ الجملةُ الثالثةُ من مظنوناتِ سلمَى مع أنه غيرُ المقصودِ ، ولهذا امتنعَ العطفُ بتاتًا ،ووجبَ أيضًا الفصلُ ، والمانعُ من العطفِ في هذا الموضعِ « أمرٌ خارجيٌّ احتماليٌّ» يمكنُ دفعُه بمعونةِ قرينةٍ» .

ومن هذا وممّا سبقَ، يُفهمُ الفرقُ بين كلٍّ منْ « كمالِ الانقطاعِ - وشبهِ كمالِ الانقطاعِ» .

الموضعُ الخامسُ - التَّوسطُ بين الكمالينِ مع قيامِ المانعِ» وهو كونُ الجملتينِ مُتناسبتينِ، وبينهما رابطةٌ قويةٌ ، لكنْ يمنعُ منَ العطفِ مانعٌ، وهو عدمُ قصدِ التشريكِ في الحُكم ، كقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة/14، 15] ،

فجملةُ « اللهُ يستهزئُ بهم» لا يصحُّ عطفُها على جملةِ « إنّا معكم» لاقتضائهِ أنه منْ مقولِ المنافقينِ ، والحالُ أنهُ من مقولِهِ تعالى « دعاءً عليهِم» ولا على جملةِ « قالوا» لئلا يُتوهمَ مشاركتهُ له في التقييدِ بالظرفِ ، وأنَّ استهزاءَ اللهِ بهم مقيدٌ بحالِ خُلوّهِم إلى شياطينِهم ، والواقعُ أن استهزاءَ اللهِ بالمنافقينَ غيرُ مقيدٍ بحال ٍمن الأحوالِ ، ولهذا وجبَ أيضًا الفصلُ .

*-تنبيهانِ:

الأولُ - لمّا كانتِ الحالُ تجيءُ جملةً، وقد تقترنُ بالواو، وقد لا تقترنُ، فأشبهتِ الوصلَ والفصلَ، ولهذا يجبُ وصلُ الجملةِ الحاليةِ بما قبلها بالواو إذا خلتْ من ضميرِ صاحبتِها ، نحو: جاءَ فؤادٌ والشَّمسُ طالعةٌ .

ويجبُ فصلُها في ثلاثةِ مواضعَ:

(1) - خزانة الأدب - (ج 3 / ص 304) والمفصل في صنعة الإعراب - (ج 1 / ص 47) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 50) والكتاب - (ج 1 / ص 196) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 90) وشرح الرضي على الكافية - (ج 4 / ص 119)

(2) - البلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 15) وقد ورد أوله في الأمثال ففي تاج العروس - (ج 1 / ص 2112) إِنَّمَا المرءُ بِأَصْغَرَيْهِ: لسانِهِ وقَلْبِهِ إذا نَطَق نَطَق ببَيَان

(3) - الأصغران: القلب واللسان، ورهن بما لديه: يجازي بما عمل.

(4) - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب - (ج 1 / ص 143) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 52) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 117) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 93)

(5) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 3 / ص 592) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 94) والبديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 2و28) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 76) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 154) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 52) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 73) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 13 / ص 173) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 132)

(6) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 52) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 116) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 93) وقاموس النحو - (ج 1 / ص 6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت