ولنتعرض لشيء من ترجمة مؤلف هذا الكتاب تبركًا به، واستنزالًا لصيب الرحمة على أرض القلوب من علام الغيوب، فإنه قد ورد أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة فنقول:
هو الشيخ الإمام حافظ الإسلام، خاتمة الجهابذة النقاد الأعلام شيخ الحديث وطبيب علله في القديم والحديث، إمام الأئمة عجمًا وعربًا، ذو الفضائل التي سارت سير النيرين شرقًا وغربًا، الحافظ الذي لا تغيب عنه شاردة، والضابط الذي استوت لديه الطارفة والتالدة:
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبه _ بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها دال مهملة مكسورة فزاي ساكنة فموحدة مفتوحة فهاء _ على المشهور في ضبطه، وبه جزم ابن ماكولا وهو بالفارسية الزرانح الجعفي _ بضم الجيم وسكون العين بعدها فاء_ وكان بردزبه فارسيًا على دين قومه، ثم أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجعفي والي بخارى، فنسب إليه نسبة ولاء، وكان مولد البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال.
وقال ابن كثير: ليلة الجمعة سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى، وتوفي أبوه إسماعيل وهو صغير فنشأ يتيمًا في حجر والدته، وكان كما ذكره بعض أهل التاريخ والحديث قد ذهبت عيناه في صغره فرأت أمه إبراهيم الخليل عليه السلام في المنام، فقال لها: رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له فأصبح وقد رد الله عليه بصره.
وأمَّا بدء أمره:
فقال أبو جعفر ابن أبي حاتم وراق البخاري: قلت للبخاري: كيف كان بدء أمرك؟ فقال: ألهمت الحديث في المكتب ولي عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من المكتب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك فدخل فنظر فيه، ثم خرج فقال: كيف هو يا غلام قلت: هو الزبير عن عدي عن إبراهيم فأخذ القلم مني وأصلح كتابه،
ج 1 ص 6
وقال: صدقت، فقال بعض أصحاب البخاري له: ابن كم كنت؟ قال: كنت ابن إحدى عشرة سنة ولما طعنت في ستة عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء؛ يعني: أصحاب الرأي، ثم خرجت مع أخي أحمد وأمي إلى مكة فلما حججت رجع أخي إلى بخارى فمات بها، وكان أخوه أسن منه، وأقام هو بمكة لطلب الحديث، قال: ولما طعنت في ثماني عشرة سنة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم.
قال: وصنفت (( التاريخ الكبير ) )إذ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
وقال أبو بكر ابن أبي عتاب الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفريابي، وكان سنه إذ ذاك ثمانية عشر عامًا أو دونها.
وأما رحله وأخذه عن مشايخ الحديث وسماعه منهم في الأقطار النائية والبلدان الشاسعة فأمر كفت شهرته مؤنة بيانه.
وأما ذكاؤه وسعة حفظه، وسيلان ذهنه فأمر مقرر مشهور، فقد قيل: إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردًا، وروي أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة.
وقال محمد بن أبي حاتم وراقه: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام فنكتب وهو لا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له: فقال: إنكما قد أكثرتما فاعرضا علي ما كتبتما فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها وأملاها عن ظهر قلبه حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه ثم قال: أفترون أني اختلف هدرًا، وأضيع أيامي فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد قالا: فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنهم وكان شابًا.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت سليمان بن مجاهد يقول: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث، قال: فخرجت في طلبه فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم وأكثر ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا عن الصحابة والتابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عدي: حدثني محمد بن أحمد القومسي يقول: سمعت محمد بن حمرويه يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وقال: أخرجت هذا الكتاب يعني (( الجامع الصحيح ) )من نحو ستمائة ألف حديث صحيح.
وقال: دخلت بلخ فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ.
وأما كثرة اطلاعه على علل الحديث فقد ثبت عن مسلم بن الحجاج أنه قال له: دعني أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله.
وقال الترمذي: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت سليم بن مجاهد يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتقدموا عليه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال أبو أحمد بن عدي الحافظ: سمعت عدة من المشايخ يحكون أن البخاري لما قدم بغداد اجتمع أصحاب الحديث وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، واختاروا عشرة ودفعوا إلى كل واحد منهم عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس امتحانًا، فاجتمع الناس من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم ومن أهل بغداد، فلما اطمأن بهم المجلس انتدب أحدهم فقام وسأله عن حديث من تلك العشرة فقال: لا أعرفه فسأله عن الآخر فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان لا يدرى قضى عليه بالعجز ثم انتدب آخر ففعل كفعل الأول، والبخاري يقول: لا أعرفه إلى أن فرغ العشرة أنفس وهو
ج 1 ص 7
لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا، وصوابه كذا، وأما حديثك الثاني فقلت كذا، وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل وقضوا العجب من رد تلك المتون إلى أسانيدها، والأسانيد إلى متونها على ترتيب إيرادها، وبالجملة فقد وصفه غير واحد بأنه كان أحفظ أهل زمانه، وفارس ميدانه كلمةٌ اتَّفق عليها الموافق والمخالف، وأقرَّ بحقيقتها المعادي والمحالف.
قال الشيخ تاج الدين السبكي في (( طبقاته ) ): كان البخاري إمام المسلمين، وقدوة المؤمنين، وشيخ الموحدين، والمعول عليه في أحاديث سيد المرسلين.
وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في (( تاريخه ) ): كان إمام الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه.
وقال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل وهو في زمانه كعمر في الصحابة.
وقال أحمد بن حنبل فيما رواه الخطيب بسند صحيح: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال إسحاق بن راهويه: يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه فإنه لو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج إليه لمعرفته بالحديث وفقهه، وقد فضله بعضهم في الفقه والحديث على أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال رجاء بن مرجَّى: فضل محمد بن إسماعيل _ يعني: في زمانه _ على العلماء كفضل الرجال على النساء وهو آية من آيات الله تعالى تمشي على الأرض.
وقال الفلَّاس: كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث.
وقال يحيى بن جعفر البيكندي: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم.