(33) (باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) بإضافة باب لتاليه فقط، ووجه مناسبته لما قبله: أن المذكور في الباب الأول أحبية دوام الدين إلى الله تعالى، والمذكور في هذا: (( زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ ) )ولا شك أن الإيمان يزيد بدوام العبد على أعمال الدين وينقص بتقصيره في الدوام، ولا سيما على مذهب البخاري وجماعة من المحدثين، وأما على قول من لا يقول بزيادة الإيمان ونقصانه، فإنه أيضًا توجد الزيادة بالدوام والنقص بالتقصير فيه، ولكنهما يرجعان إلى صفة الإيمان لا إلى ذاته كما عرف في موضعه، كذا في العيني.
(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بجر قول عطفًا على زيادة الإيمان المضاف إليها الباب، ولأبي ذر وابن عساكر: في حق أصحاب الكهف ( {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} ) لأن زيادته مستلزمة لزيادة الإيمان، أو أن المراد بالهدى الإيمان نفسه، وحينئذ فتحصل المطابقة، وقوله تعالى في سورة المدثر: ( {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} ) فيزداد بالنصب معطوف على يستيقن المنصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل الواقع علة لقوله: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدثر:31] ، وقال الله تعالى في سورة المائدة: ( {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ) من فرائض وسنن.
وقال البيضاوي: بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد. انتهى.
وتقدم الكلام على الآيتين الأوليين عند ذكر المصنف لهما في أول كتاب الإيمان، لكنه أعادهما ليوطئ بهما لمعنى الكمال المذكور في الآية الثالثة، فالاستدلال بهما للزيادة نصًا، وللنقص استلزامًا، وأما الثالثة: فلما لم تكن نصًا في الزيادة ولكن تستلزمها.
قال المصنف بعد ذكره لها: (فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ) ولهذه النكتة غاير في أسلوب الثالثة، وبهذا التقرير يندفع الاعتراض عليه بأن الثالثة لا دليل فيها.
وقال ابن بطال: هذه الآية يعني قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] حجة في زيادة الإيمان ونقصانه؛
ج 1 ص 314
لأنها نزلت يوم كملت الفرائض والسنن واستقر الدين، وأراد الله تعالى قبض نبيه، فدلت هذه الآية أن كمال الدين إنما يحصل بكمال الشريعة فتصور كماله يقتضي تصور نقصانه، وليس المراد التوحيد لوجوده قبل نزول الآية، فالمراد الأعمال، فمن حافظ عليها فإيمانه أكمل من إيمان من قصر فيها. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذه الآية لا تدل أصلًا على زيادة الدين، ولا على نقصانه؛ لأن المراد: أكملت لكم شرائع دينكم.
وتعليل ابن بطال على مدعاه دليل لما قلنا، وحجة عليه؛ لأنه قال: أنها نزلت يوم كملت الفرائض والسنن واستقر الدين، ولم يقل أحد أن الدين كان ناقصًا إلى وقت نزول هذه الآية حتى أكمله في هذا اليوم، وإنما المراد كمال شرائع الدين في هذا اليوم؛ لأن الشرائع نزلت شيئًا فشيئًا طول مدة النبوة، فلما كملت الشرائع قبض الله نبيه عليه السلام وهو أيضًا صرح بقوله: وليس المراد التوحيد؛ لوجوده قبل نزول الآية، فإن ادعى أن الأعمال من الإيمان، فليس يتصور لأنه يلزم أن يكون كمال الإيمان في هذا اليوم وقبله كان ناقصًا؛ لأن الشرائع التي هي الأعمال ما كملت إلا في هذا اليوم. انتهى.
وأقول: الذي يظهر أنه لا وصمة في إطلاق النقصان على شيء بالنسبة إلى ما زاد عليه إذا كان تامًا في نفسه غير محتاج في حدِّ ذاته إلى شيء، ونظير ذلك من المحسوسات البيت المبني على ثلاثة أركان بالنسبة إلى البيت المبني على أربعة، فإن ذا الثلاثة تام في نفسه مثل ذي الأربعة، وإن كان ذا الأربعة أزيد منه.
ألا ترى: أن من مات من الصحابة رضي الله عنهم قبل فرض الحج مثلًا لا يقال: إن في دينهم نقصًا، وإن كان الدين زاد بعد موتهم بفريضة الحج.
والحاصل: أن النقص بالنسبة إليهم صوري، فلا ينافي أن لهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا كما يقال: شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكمل من شرع موسى وعيسى عليهما السلام مع أن شرع كلٍّ منهما كان كاملًا في حد ذاته، وكمال الشيء في حد ذاته لا ينافي اتصافه بالنقص بالقياس إلى ما هو أكمل منه، فليتأمل.
وفي (( المصابيح ) ): قال ابن المنير: لا يقال: أن الكمال لما كان حادثًا حينئذٍ كان النقصان موجودًا قبل، ولا يجوز أن يطلق على الدين والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أنه كان ناقصًا مع وجوده طرفة عين؛ لأنا نقول: المراد بالكمال: أن الفرائض التي قدر الله تعالى أن تنزل متدرجة لا دفعة كمل نزولها يومئذ؛ لحكمة أرادها الله تعالى في التنجيم، وهذا غير مستحيل، وإنما جاء الغلط من جهة اشتراك لفظ النقصان بين الخلل وبين التبعيض الذي ذكرناه. انتهى.
وبه يندفع تعقب العيني فليتأمل.
وقال في (( فتح الباري ) ): تقدم قبل ستة عشر بابًا: باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري بمعنى حديث أنس الذي أورده هنا، فتعقب عليه بأنه تكرار.
وأجيب: بأن الحديث لما كانت الزيادة والنقصان فيه باعتبار الأعمال، أو باعتبار التصديق ترجم لكل من الاحتمالين، وخص حديث أبي سعيد بالأعمال؛ لأن سياقه ليس فيه تفاوت بين الموزونات، بخلاف حديث أنس، ففيه التفاوت في التصديق على قدر العلم والجهل، فمن قل علمه كان تصديقه مثلًا بمقدار ذرة، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار برة أو شعيرة، إلا أن أصل التصديق الحاصل في قلب كل واحد منهم لا يجوز عليه النقصان، وتجوز الزيادة بزيادة العلم والمعاينة. انتهى.
وقد تقدم كلام النووي في أول الكتاب بما يشير إلى هذا المعنى، ووقع الاستدلال بهذه [1] الآية بنظير ما أشار إليه البخاري لسفيان بن عيينة أخرجه أبو نعيم في ترجمته من (( الحلية ) )من طريق عمرو بن عثمان الرقي قال: قيل لابن عيينة: إن قومًا يقولون: إن الإيمان كلام، فقال: كان هذا قبل أن تنزل الأحكام، فأمر الناس أن يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها: عصموا دماءهم وأموالهم، فلما علم الله صدقهم أمرهم بالصلاة ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار.
فذكر الأركان إلى أن قال: فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض وقبولهم لها قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية [المائدة:3] ، فمن ترك شيئًا من ذلك كسلًا أو مجونًا أدبناه عليه، فكان ناقص الإيمان، ومن تركه جاحدًا كان كافرًا. انتهى ملخصًا.
وتبعه أبو عبيد في كتاب (( الإيمان ) )له فذكر نحوه، وزاد: أن بعض المخالفين لما ألزم بذلك أجاب: بأن الإيمان ليس هو مجموع الدين، إنما الدين ثلاثة أجزاء الإيمان جزء، والأعمال جزءان؛ لأنها فرائض ونوافل.
وتعقبه
ج 1 ص 315
أبو عبيد بأنه خلاف ظاهر القرآن، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران:19] ، وحيث أطلق مفردًا دخل فيه الإيمان كما تقدم تقريره. انتهى كلام صاحب (( الفتح ) ).
[1] في هامش المخطوط: (( في هذه ) ).