قال العيني: فضل الوضوء يحتمل أن يكون المراد به ما يبقى في الإناء بعد الفراغ من الوضوء، ويحتمل أن يكون المراد به الماء الذي يتقاطر على أعضاء المتوضئ، وهو الماء الذي يقول له الفقهاء الماء المستعمل.
واختلف الفقهاء فيه: فعن أبي حنيفة: فيه ثلاث روايات، فروى عنه أبو يوسف: أنه نجس مخفف، وروى الحسن بن زياد: أنه نجس مغلظ، وروى محمد بن الحسن وزفر وعافية القاضي: أنه طاهر غير طهور، وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر.
وفي (( المحيط ) ): وهو الأشهر الأقيس.
وقال في (( المعيد ) ): وهو الصحيح.
ج 1 ص 660
وقال الأسبيجابي: وعليه الفتوى.
وقال قاضي خان: ورواية التغليظ رواية شاذَّة غير مأخوذ بها، وبه يرد على ابن حزم قوله: الصحيح عن أبي حنيفة نجاسته.
وقال عبد الحميد القاضي: أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة فيه عن أبي حنيفة، وعند مالك طاهر وطهور، وهو قول النخعي والحسن البصري والزهري والثور [ي] وأبي ثور، وعند الشافعي: طاهر غير طهور، وهو قوله الجديد، وعند زفر: إن كان مستعمله طاهرًا فهو طاهر طهور، وإن كان محدثًا فهو طاهر غير طهور، واستعمال فضل وضوء الناس أعم من أن يستعمل للشرب، أو لإزالة الحدث، أو الخبث. انتهى.
وأما اختلاط الماء المستعمل بغيره من الماء المطلق؛ فعلى الخلاف المتقدم، فعلى القول بالنجاسة المخففة أو المغلظة نجس مخفف أو مغلظ، وعلى القول بالطهورية يجوز استعماله في كل شيء، وعلى القول بالطاهرية فقد يجوز استعماله للشرب والعجين والطبخ وإزالة النجاسة العينية التي لها أثر عند الحنفية، والفتوى على أنه طاهر غير طهور كما تقدم.
(وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) فيما وصله ابن أبي شيبة والدارقطني وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عنه (أَهْلَهُ أَنْ يَتَوَضَّئُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ) .
قال العيني: هذا الأثر لا يطابق الترجمة أصلًا، فإن الترجمة في استعمال فضل الماء الذي يفضل من المتوضئ، والأثر: هو الوضوء بفضل السواك، ثم فضل السواك إن كان ما ذكره ابن التين وغيره أنه هو الماء الذي ينقع فيه السواك، فلا مناسبة له للترجمة أصلًا؛ لأنه ليس بفضل الوضوء، وإن كان المراد أنه الذي يغمس المتوضئ فيه سواكه بعد الاستياك، فذلك لا يناسب الترجمة. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): وإنما أراد البخاري أن صنيعه ذلك لا يغير الماء، فلا يمنع التطهر به.
وتعقبه العيني فقال: من له أدنى ذوق من الكلام لا يقول: هذا هو الوجه في تطابق الأثر والترجمة. انتهى.
قال القسطلاني: وأجيب: بأنه ثبت أن السواك مطهرة للفم، فإذا خالط الماء، ثم حصل الوضوء بذلك الماء كان فيه استعمال المستعمل في الطهارة، أو يقال: المراد من فضل السواك هو الماء الذي في الظرف، والمتوضئ يتوضأ منه، وبعد فراغه من تسوكه عقب فراغه من المضمضة يرمي السواك الملوث بالماء المستعمل فيه. انتهى.
وهذا الثاني هو جواب العيني معترفًا بتكلفه.