فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 1465

(1) (باب ما جاء في قول الله عز وجل {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] ) هكذا وقع في النسخ الصحيحة، وهي رواية الأصيلي، وفي رواية كريمة: ووقع في أصل الدمياطي: ، وعليه مشى ابن بطال في (( شرحه ) )، وكذا مشى عليه الكرماني في (( شرحه ) )غير أن قبله كتاب الطهارة، وكذا في شرح الحافظ مغلطاي؛ أي: كتاب الطهارة موضع كتاب الوضوء كذا في العيني، وافتتح الباب بهذه الآية الكريمة للتبرك أو لأصالتها في استنباط مسائله، وإن كان حق الدليل أن يؤخر عن المدلول، بأن الأصل في الدعوى تقديم المدعى.

قال في (( الدر المختار ) ): وهي مدنية إجماعًا، وأجمع أهل السير أن الوضوء والغسل فرضا بمكة مع فرض الصلاة بتعليم جبريل عليه السلام وأنه عليه الصلاة والسلام لم يصل قط إلا بوضوء، بل هو شريعة من قبلنا بدليل: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ) ).

وقد تقرر في الأصول أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله ورسوله من غير إنكار، ولم يظهر نسخه ففائدة نزول الآية تقرير الحكم الثابت، وتأتى اختلاف العلماء الذي هو رحمة، كيف وقد اشتملت على نيف وسبعين حكمًا مبسوطة في (( تيمم الضياء عن فوائد الهداية ) )، وعلى ثمانية أمور كلها مثنى طهارتين الوضوء والغسل، ومطهرين الماء والصعيد، وحكمين الغسل والمسح، وموجبين الحدث والجنابة، ومبيحين المرض والسفر، ودليلين التفصيلي في الوضوء والإجمالي في الغسل، وكنايتين الغائط والملامسة، وكرامتين تطهير الذنوب وإتمام النعمة؛ أي: بموته

ج 1 ص 568

شهيدًا، لحديث (( من داوم على الوضوء مات شهيدًا ) )ذكره في (( الجوهرة ) ).

وإنما قال: {آمِنُوا} بالغيبية دون آمنتم، ليعم كل من آمن إلى يوم القيامة قاله في (( الضياء ) )، وكأنه مبني على أن في الآية التفاتًا، والتحقيق خلافه، وأتى في الوضوء بـ (( {إذا} ) )التحقيقية، وفي الجنابة بـ (( {إن} ) )التشكيكية للإشارة إلى أن الصلاة من الأمور اللازمة، والجنابة من الأمور العارضة، وصرح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء ليعلم أن الوضوء سنة وفرض، والحدث شرط للثاني لا للأول، فيكون الغسل على الغسل والتيمم على التيمم عبثًا، والوضوء على الوضوء نورًا على نور انتهى.

وفي قوله: أجمع أهل السير ... إلخ نظر بالنسبة للوضوء، فقد قال في (( الفتح ) ): وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبًا، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة انتهى.

وقال العيني: لما كان القيام إلى الصلاة من الأمور اللازمة والأشياء الغالبة بالنسبة إلى حالة المؤمن ذكره بـ (( {إذا} ) )التي تدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة، بخلاف الجنابة فإنها بالنسبة إلى القيام إلى الصلاة قليلة جدًا، وهي من الأشياء المترددة الوجود والأمور العارضة، فلذلك خصت بأن انتهى.

والطهارة لغة: مصدر طهر بالفتح ويضم بمعنى النظافة، وشرعًا: النظافة عن حدث أو خبث، وحكمها استباحة ما لا يحل بدونها، واختلف في سبب وجوب الطهارة من غسل ووضوء وتيمم وإزالة نجاسة، فقيل: الحدث والخبث ورد بالإجماع على عدم الإثم بتأخير الطهارة عن الحدث إذا لم يرد فعل ما لا يحل إلا بها، وقيل: القيام إلى الصلاة، ورد بأنه يقتضي وجوب الطهارة عند القيام إلى الصلاة ولو كان متطهرًا وليس كذلك، والصحيح أن سبب وجوبها إرادة ما لا يحل فعله فرضًا كان أم غيره كالصلاة ومس المصحف إلا بها.

وقال صاحب (( البحر ) )بعد سرد الأقوال: الظاهر أن السبب هو الإرادة في الفرض والنفل، لكن بترك إرادة النفل يسقط الوجوب ذكره الزيلعي في (( الظهار ) ).

وقال العلامة قاسم في (( نكته ) ): الصحيح أن سبب وجوب الطهارة وجوب الصلاة أو إرادة ما لا يحل إلا بها انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وأشار المؤلف بقوله: ما جاء إلى اختلاف السلف في معنى الآية، فقال الأكثرون: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وقال آخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقدير حذف إلا أنه في حق المحدث على الإيجاب وفي حق غيره على الندب.

وقال بعضهم: كان على الإيجاب ثم نسخ فصار مندوبًا، ويدل لهذا ما رواه أحمد وأبو داود من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أسماء بنت زيد بن الخطاب حدثت أباه عبد الله بن عمر عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث ) ).

ولمسلم من حديث بريدة: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله، قال: عمدًا فعلته ) )أي: لبيان الجواز، وسيأتي حديث أنس في ذلك في (( باب الوضوء من غير حدث ) )انتهى.

وقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ} قال البيضاوي:؛ أي: أردتم القيام كقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ} [النحل:98] عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، أو إذا قصدتم الصلاة؛ لأن التوجه إلى الشيء والقيام له قصد له انتهى.

وقال صاحب (( الكشاف ) ): فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟.

قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهي قصده إليه وخلوص داعيته، فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير والأعمى لا يبصر؛ أي: لا يقدران على الطيران والإبصار، وذلك لأن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما ولإيجاز الكلام انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): استنبط بعض العلماء من قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} إيجاب النية في الوضوء؛ لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها، ومثله قولهم إذا رأيت الأمير فقم؛ أي: لأجله انتهى.

وأقول: فيه نظر لأن غاية ما يلزم من الأمر إيجاد غسل الوجه وما عطف عليه عند إرادة الصلاة، وهو لا يتوقف على النية، نعم صرحوا بأن الوضوء الغير منوي لا ثواب فيه؛ لأنه ليس بعبادة، وأن النية فرض في الوضوء المأمور به كما في (( الدر المختار ) )، لكن رد ذلك السيد أحمد الحموي في (( حاشيته على الأشباه ) )نقلًا عن تحقيق ابن الكمال

ج 1 ص 569

فقال بعد أن نقل كلام المشايخ: لكن التحقيق أن الوضوء المأمور به يتأدى بدون النية إلى آخر ما أطال به، فليراجع لمريد الإطلاع.

وقوله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} ؛ أي: أسيلوا عليها الماء بشرط التقاطر ولو قطرة، وفي (( الفيض ) )أقله قطرتان في الأصح، كذا في (( الدر المختار ) )، والفرض فيه مرة واحدة، والوجوه جمع وجه وهو في اللغة مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة، وحده من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن طولًا، وما بين شحمتي الأذنين عرضًا، فيجب غسل المآقي وما يظهر من الشفتين عند انضمامهما، وما بين العذار والأذن لدخوله في الحد لا غسل باطن العينين والأنف والفم، وأصول شعر الحاجبين واللحية والشارب، وونيم الذباب للحرج.

وقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} الأيدي جمع يد وأصلها يدي بسكون الدال فحذفت ياؤها اعتباطًا تخفيفًا لا لعلة، فلذا جرى الإعراب على ما قبلها ولم تعد في التثنية، وهي اسم يقع على هذا العضو من طرف الأصابع إلى المنكب.

قال العيني: والدليل على ذلك أن عمارًا رضي الله عنه تيمم إلى المنكب، وقال: تيممنا إلى المناكب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن ذلك بعموم قوله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} ولم ينكر عليه من جهة اللغة بل هو كان من أهل اللغة، فكأن عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب فثبت بذلك أن الاسم يتناول إلى المنكب، فإذا كان الإطلاق يقتضي ذلك ثم ذكر التحديد فجعل المرافق غاية كأن ذكرها لاسقاط ما وراءها انتهى.

وقال في (( الكشاف ) ): (( إلى ) )تفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، ثم مثل ما دل الدليل فيه على الخروج بقوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280] و {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [البقرة:187] وما دل فيه الدليل على الدخول بقولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، وبقوله تعالى: {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء:1] ثم قال: وقوله تعالى: {إِلَى الْمَرَافِقِ} و {إِلَى الْكَعْبَينِ} لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل، وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه انتهى ملخصًا.

وقيل: إن (( إلى ) )فيها بمعنى (( مع ) )كقوله تعالى: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود:52] {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ} [آل عمران:52] وقيل: دل على دخولها الإجماع كما استدل به الشافعي في الأم، وقيل: فعله عليه الصلاة والسلام.

والمرافق: جمع مرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس أيضًا، وهو مجتمع طرفي الساعد والعضد.

وقوله تعالى: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} أمر من مسح يمسح يقال: مسح برأسه وتمسح بالأرض.

قال البيضاوي: الباء مزيدة، وقيل: للتبعيض فإنه الفارق بين قولك: مسحت المنديل ومسحت بالمنديل، ووجهه أن يقال أنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قال: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رؤوسكم، فإنه كقوله: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} .

وقال في (( الكشاف ) ): المراد إلصاق المسحة بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه، وقد أخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما روي أنه مسح على ناصيته، وقدر الناصية بربع الرأس انتهى.

والمشهور من مذهب الإمام أحمد موافقة مالك.

وقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} الأرجل جمع رجل، والكعبان هما الناشزان عند ملتقى الساق والقدم.

قال البيضاوي: نصبه نافع وأبو عمر وحفص والكسائي ويعقوب عطفًا على وجوهكم، ويؤيده السنة الشائعة وعمل الصحابة، وقول أكثر الأئمة والتحديد إذ المسح لم يحد، وجره الباقون على الجوار ونظيره كثير في القرآن والشعر كقوله تعالى: {عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود:26] {وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة:22] بالجر في قراءة حمزة والكسائي، وقولهم: جحر ضب خرب، وللنحاة باب في ذلك وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها، وتغسل غسلًا يقرب من المسح، وفي الفصل بينه وبين أخواته إيماء إلى وجوب الترتيب، وقرئ بالرفع على وأرجلكم مغسولة انتهى.

أقول: ومما هو صريح في تعين الغسل للرجلين وعدم كفاية المسح ما أخرجه المؤلف في باب من رفع صوته بالعلم من حديث عبد الله بن عمر قال: (( تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا ) )انتهى.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) يعني البخاري مما سيأتي موصولًا (وَبَيَّنَ) بتشديد التحتية،

ج 1 ص 570

وللأصيلي: (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ) المجمل في الآية السابقة.

(مَرَّةً مَرَّةً) بالرفع فيهما خبر إن، والتكرار لإرادة التفصيل؛ أي: مرة في الوجه ومرة في اليدين ومرة في الرأس ومرة في الرجلين، ويجوز النصب على أنه حال سد مسد الخبر على حد قراءة علي: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف:8] ؛ أي: نُرى عصبة، أو على أنه مفعول مطلق؛ أي: فرض الوضوء غسل الأعضاء غسلًا مرة.

قال في (( الفتح ) ): وهو في روايتنا بالرفع على الخبرية انتهى.

وهو الأقرب الخالي عن التكلف، والنصب هو الذي في فرع اليونينية فقط، قاله القسطلاني.

(وَتَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم (أَيْضًا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا في رواية أبي ذر، ولغيره: من غير تكرار، وتوضأ صلى الله عليه وسلم أيضًا (ثَلاَثًا) أي: ثلاث مرات في الأعضاء المغسولة، وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي: بالتكرار.

قال الكرماني: وكأن غرض البخاري من لفظ (( وبين ) )الإشارة إلى أن الأمر من حيث هو لإيجاد حقيقة الشيء المأمور به لا مقتضيًا للمرة ولا للتكرار بل محتمل لهما، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد منه المرة حيث غسل مرة واحدة، واكتفى بها إذ لو لم يكن الفرض إلا مرة واحدة لم يجز الاجتزاء بها، والغرض من قوله: (( توضأ مرتين وثلاثًا ) )الإشارة إلى أن الزيادة عليها مندوب إليها؛ لأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على الندب غالبًا إذا لم يكن دليل دل على الوجوب ككونه بيانًا للواجب مثلًا انتهى.

(وَلَمْ يَزِدْ) النبي صلى الله عليه وسلم (عَلَى ثَلاَثٍ) بلا تاء، لغير أبي ذر وابن عساكر: ولهما بها، والقياس الأول؛ لأن المعدود مؤنث وسوغ الإتيان بها حذف المعدود.

قال في (( الفتح ) ): لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم أنه زاد على ثلاث بل ورد عنه أنه ذم من زاد عليها، وذلك فيما رواه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم ) )إسناده جيد لكن عده في جملة ما أنكر على عمرو بن شعيب؛ لأن ظاهره ذم النقص من الثلاث.

وأجيب: بأنه أمر نسبي والإساءة تتعلق بالنقص والظلم بالزيادة، وقيل: فيه حذف تقديره من نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد من طريق المطلب بن حنظب مرفوعًا: (( الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ ) )وهو مرسل رجاله ثقات.

وأجيب عن الحديث أيضًا: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه بل أكثرهم يقتصر على قوله: فمن زاد فقط، كذا رواه ابن خزيمة في (( صحيحه ) )وغيره.

ومن الغرائب ما حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني عن بعض العلماء أنه لا يجوز النقص عن الثلاث، وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور، وهو محجوج بالإجماع.

وأما قول مالك في (( المدونة ) ): لا أحب الواحدة إلا من العالم، فليس فيه إيجاب زيادة عليها انتهى. وإنما تحسب غسلة إذا استوعبت العضو.

قال القسطلاني: فلو شك في العدد أثناء الوضوء فقيل: يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعة، والأصح بالأقل كالركعات، والشك بعد الفراغ لا عبرة به على الأصح، لئلا يؤد به الأمر إلى الوسوسة المذمومة انتهى.

(وَكَرِهَ) بتشديد الراء مفتوحة أو بكسرها مخففة، وهو مشتق من الكراهة، وهي اقتضاء الترك مع عدم المنع من النقيض، وقد يعرف المكروه بأنه ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله (أَهْلُ الْعِلْمِ) أي: المجتهدون منهم (الإِسْرَافَ فِيهِ) أي: في الوضوء.

قال الكرماني: الإسراف: هو صرف الشيء في ما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): يشير بذلك إلى ما أخرجه عن ابن أبي شيبة من طريق هلال بن شيبان أحد التابعين قال: كان يقال من الوضوء إسراف ولو كنت على شاطئ نهر، وأخرجه عن أبي الدرداء وابن مسعود، وروي في معناه حديث مرفوع أخرجه أحمد وابن ماجه بإسناد لين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص انتهى.

(وَأَنْ يُجَاوِزا

ج 1 ص 571

فِعْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) قال الكرماني: هو عطف تفسيري للإسراف إذ ليس المراد بالإسراف إلا المجاوزة عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: الثلاث انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن مسعود قال: ليس بعد الثلاث شيء.

وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث. وقال ابن المبارك: لا آمن أن تأثم.

وقال الشافعي: لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث، فإن زاد لم أكرهه؛ أي: لم أحرمه، لأن قوله لا أحب يقتضي الكراهة، وهذا الأصح عند الشافعية أنه مكروه كراهة تنزيه. وحكى الدارمي منهم عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة وهو قياس فاسد، ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق.

واختلف عند الشافعية في القدر الذي يمنع به حكم الزيادة على الثلاث، فالأصح إن صلى به فرضًا أو نفلًا، وقيل: مثله سجدة التلاوة والشكر ومس المصحف، وقيل: الفرض فقط، وقيل: ما يقصد له الوضوء وهو أعم، وقيل: لذا وقع الفصل بزمن يحتمل في مثله نقض الوضوء عادة.

وعند بعض الحنفية أنه راجع إلى الاعتقاد، فإن اعتقد أن الزيادة على الثلاث سنة أخطأ ودخل في الوعيد، وإلا فلا يشترط للتجديد شيء بل لو زاد الرابعة وغيرها لا لوم، ولاسيما إذا قصد به القربة للحديث الوارد: (( الوضوء على الوضوء نور على نور ) ).

قلت: وهو حديث ضعيف، ولعل المصنف أشار إلى هذه الرواية، وسيأتي بسط ذلك في أول تفسير المائدة، ويستثنى من ذلك ما لو علم أنه بقي من العضو شيء لم يصبه الماء في المرات أو بعضها، فإنه يغسل موضعه فقط، وأما مع الشك الطارئ بعد الفراغ فلا، لئلا يؤدي به الحال إلى الوسواس المذموم انتهى.

وقال العيني: الصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل، معناه فمن زاد على الثلاث أو نقص عنها ولم ير الثلاث سنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد، حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سنة لا يلحقه هذا الوعيد؛ لأن الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذا نوى به، وأنه نور على نور على لسان النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.

لكن قال في (( الدر المختار ) )تحت قوله صاحب (( التنوير ) ): ومكروهه التقتير والإسراف فيه، ومنه الزيادة على الثلاث تحريمًا لو بماء النهر والمملوك له، أما الموقوف على من يتطهر به ومنه ماء المدارس فحرام انتهى. ولا يخفى مخالفته لما ذكره العيني.

وفي البحر لابن نجيم: واختلف في معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( فمن زاد على هذا ) )الحديث على أقوال فقيل: على الحد المحدود وهو مردود بقوله صلى الله عليه وسلم (( من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ) )والحديث في المصابيح وإطالة الغرة تكون بالزيادة على الحد المحدود، وقيل: على أعضاء الوضوء، وقيل: الزيادة على العدد والنقص عنه، والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل حتى لو زاد أو نقص، وأعتقد أن الثلاث سنة لا يلحقه الوعيد كذا في (( البدائع ) ).

واقتصر عليه في (( الهداية ) )، وعلى الأقوال كلها لو زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو بنية وضوء آخر بعد الفراغ من الأول فلا بأس به لأنه نور على نور، وكذا إذا نقص لحاجة فلا بأس به، كذا في (( المبسوط ) )وأكثر شروح الهداية، وفيه كلام؛ لأنهم قد صرحوا بأن تكرار الوضوء في مجلس واحد لا يستحب بل يكره لما فيه من الإسراف في الماء كما في (( السراج الوهاج ) )، فكيف يدعي الاتفاق كما في (( الخلاصة ) )على عدم الكراهة لو نوى وضوءًا آخر حين فرغ من الأول، اللهم إلا أن يحمل على ما إذا اختلف المجلس وهو بعيد كما لا يخفى، وفي الحديث لف ونشر؛ لأن التعدي يرجع إلى الزياد [ة] والظلم إلى النقصان، كذا في (( غاية البيان ) )انتهى.

وقال العيني أيضًا: قال بعض الشارحين: قول البخاري هذا يعني وكره أهل العلم ... إلخ، إشارة إلى نقل الإجماع على منع الزيادة على الثلاث، قلت: فيه نظر فإن الشافعي قال في (( الأم ) ): لا أحب الزيادة عليها فإن زاد لم أكرهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت