فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 1465

(36)(باب)جواز(قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ)أي: الأصغر(وَغَيْرِهِ)قاله الكرماني؛ أي: غير القرآن من السلام، وسائر الأذكار، فالضمير عنده راجع إلى القرآن.

وجعله صاحب (( الفتح ) )راجعًا إلى الحدث فقال: (( وغيره ) )أي: من مظانِّ الحدث.

وتعقب كلام الكرماني: بأنه يلزم منه الفصل بين المتعاطفين، ولأنه إذا جازت القراءة بعد الحدث، فجواز غيرها من الأذكار بطريق الأولى، فهو مستغني عن ذكره، بخلاف غير الحدث من نواقض الوضوء، وقد تقدم المراد بالحدث، وهو يريد ما قدرته. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: أما قول هذا القائل من مظان الحدث فليس بشيء؛ لأن عود الضمير لا يصح إلا إلى شيء مذكور لفظًا أو تقديرًا، بدلالة القرينة اللفظية، أو الحالية، ولم يبين أيضًا ما مظان الحدث، ومظنة الحدث أيضًا على نوعين:

أحدهما: مثل الحدث، والآخر: ليس مثله، فإن كان مراده النوع الأول؛ فهو داخل في قوله: بعد الحدث، وإن كان الثاني؛ فهو خارج عن الباب، فإذًا لا وجه لما قاله على ما لا يخفى. انتهى.

أقول: يمكن الجواب بأن قول العيني: لأن عود الضمير لا يصح إلا إلى شيء مذكور ... إلخ غير وارد عليه قطعًا؛ لأن الضمير على توجيهه راجع إلى الحدث، وليس راجعًا إلى مظان الحدث كما توهمه العيني، بل قوله: أي: من مظان الحدث تفسير وبيان للمراد بالغير، كما لا يخفى.

وأما قول العيني: ومظنة الحدث على نوعين ... إلخ فهو مندفع أيضًا باختيار الشق الأول من الترديد.

وقول العيني: فهو داخل في قوله: بعد الحدث غير مسلم؛ لأن مراد صاحب (( الفتح ) )بالحدث ما تقدم تفسيره في حديث أبي هريرة المتقدم قريبًا، وهو قوله: فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت يعني الضرطة.

وكلامه صريح في ذلك، فيصير مآل الكلام على توجيهه باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره؛ أي: من نواقض الوضوء كالنوم والإغماء ونحوهما مما هو مغاير للحدث المفسر في حديث أبي هريرة، فعقد البخاري ترجمته على هذا الحدث، وهو لا يشمل بقية النواقض، فلهذا عطف عليه قوله: وغيره، فتأمل.

فالفضل للمتقدم، وأما الجواب باختيار الشق الثاني في كلام العيني كما توهم؛ فلا محصل له.

(وَقَالَ مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر السلمي الكوفي (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه مما وصله

ج 1 ص 651

سعيد بن منصور عن أبي عوانة (لاَ بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ) للقرآن (فِي الْحَمَّامِ) خصصه بالذكر؛ لأن القارئ فيه يكون محدثًا في الغالب.

ونقل النووي في (( الأذكار ) )عدم الكراهة عن أصحاب الشافعي، ورجحه السبكي، وسوَّى الحليمي بينه وبين القرآن حَالَ قضاء الحاجة.

وعن أبي حنيفة: الكراهة؛ لأن حكمه حكم بيت الخلاء إذا الماء المستعمل نجس عنده، والغالب في الحمامات ذلك، والقرآن يصان عن محل القاذورات والنجاسات.

وعن محمد بن الحسن: عدم الكراهة؛ لأن الماء المستعمل طاهر عنده، وبه قال مالك.

أقول: لكن الذي عليه المتأخرون من الحنفية: أن أبا حنيفة رجع عن القول بنجاسة الماء المستعمل.

(وَلا بأس بِكَتْبِ الرِّسَالَةِ) بموحدة مكسورة وكاف مفتوحة ومثناة ساكنة عطفًا على قوله: بالقراءة (عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) مع كون الغالب تصدير الرسائل بالبسملة، وقد يكون فيها ذكر أو قرآن.

قال في (( الفتح ) ): وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن الثوري، وأيضًا عن منصور قال: سألت إبراهيم أكتب الرسالة على غير وضوء؟ قال: نعم.

وتبين بهذا أن قوله: على غير وضوء يتعلق بالكتابة لا بالقراءة في الحمام، ولما كان من شأن الرسائل أن تصدر بالبسملة توهم السائل أن ذلك يكره لمن كان على غير وضوء، لكن يمكن أن يقال: إن كانت الرسالة لا بقصد التلاوة، فلا تستوي مع القراءة. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: لا نسلم ذلك فإن قوله وبكتب الرسالة على الوجهين معطوف على قوله بالقراءة وقوله على غير وضوء يتعلق بالمعطوف والمعطوف عليه؛ لأنهما كشيء واحد.

وقال أصحابنا: يكره للجنب أو الحائض أن يكتب الكتاب الذي في بعض سطوره آية من القرآن: وإن كانا لا يقرآن شيئًا؛ لأنهما منهيان عن مس القرآن: وفي الكتابة يمس؛ لأنه يكتب بقلمه: وهو في يده وهو صورة المس.

وفي (( المحيط ) ): لا بأس لهما بكتابة المصحف إذا كانت الصحيفة على الأرض عند أبي يوسف؛ لأنه لا يمس القرآن بيده، وإنما يكتب حرفًا فحرفًا، وليس الحرف الواحد بقرآن.

وقال محمد: أحب إلي أن لا يكتب؛ لأنه في الحكم مباين للحروف، وهي بكليتها قرآن، ومشايخ بخارى أخذوا بقول محمد، كذا في (( الذخيرة ) ).

وهذا الأثر رواه عبد الرزاق موصولًا عن الثوري عن منصور ولفظه: قال: (( سألت إبراهيم أأكتب الرسالة على غير وضوء؟ قال: نعم ) ).

وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي: بلفظ مضارع كتب، وهي رواية الأكثر، والأولى وهي رواية كريمة، قال العيني: أوجه.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) أي: ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وفقيه الكوفة، مات سنة عشرين ومائة عن إبراهيم النخعي مما وصله الثوري في (( جامعه ) )عنه (إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ) أي: على الذين هم داخل الحمام للتطهير (إِزَارٌ) هو ما يلبس في النصف الأسفل (فَسَلِّمْ) أي: عليهم كما في رواية الأصيلي.

قال في (( الفتح ) ): إن كان عليهم؛ أي: على من في الحمام إزار، والمراد به الجنس؛ أي: على كل منهم إزار.

وتعقبه العيني فقال: قوله: من في الحمام يتناول العراة فيه، والقاعدين في ثيابهم في مسلخ الثياب، وقول إبراهيم يختص بالعراة حيث قال: إن كان عليهم إزار فسلم عليهم، (وَإِلاَّ) أي: وإن لم يكن عليهم إزار (فَلاَ تُسَلِّمْ عليهم) فكيف يطلق هذا القائل كلامه على من في الحمام على سبيل العموم والسلام على القاعدين بثيابهم لا خلاف فيه. انتهى.

وأجيب: بأن المسلخ وإن أطلق عليه اسم الحمام فمجاز، والحمام في الحقيقة ما فيه الماء الحميم، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولا يحمل على المجاز إلا بقرينة مانعة عن إرادة الحقيقة.

وقال في (( الفتح ) ): والنهي عن السلام عليهم إما إهانة لهم؛ لكونهم على بدعة، وإما لكونه يستدعي منهم الرد والتلفظ بالسلام فيه ذكر الله؛ لأن السلام من أسمائه، أو أن لفظ سلام عليكم من القرآن، والمتعري عن الإزار مشابه لمن هو في الخلاء، وبهذا التقرير يتوجه ذكر هذا الآخر في هذه الترجمة. انتهى.

أي: لأنها في قراءة القرآن للمحدث، وليس في هذا الأثر قرآن إلا على هذا التقدير.

وأقول فيه: إن لفظ سلام عليكم صيغة البادئ بالسلام، فلا يكون المتعري متلفظًا به؛ ليدخل تحت الترجمة، فليتأمل.

وفي مسلم من حديث

ج 1 ص 652

ابن عمر: كراهة ذكر الله بعد الحدث، لكنه ليس على شرط المؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت