(50) (باب) : حكم (الصَّلاَةِ فِي مَوَاضِعِ الإِبِلِ) : وفي بعض النسخ: بالإفراد.
قال في (( الفتح ) ): كأنه يشير إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه، لكن لها طرق قوية:
منها: حديث جابر بن سمرة عند مسلم، وحديث البراء بن عازب عند أبي داود، وحديث أبي هريرة عند الترمذي، وحديث عبد الله بن مغفل عند النسائي، وحديث سبرة بن سعيد عند ابن ماجه، وفي معظمها التعبير بمعاطن الإبل.
ووقع في حديث جابر بن سمرة والبراء: (( مبارك الإبل ) )، ومثله في حديث سليك عند الطبراني، وفي حديث سبرة، وكذا في حديث أبي هريرة عند الترمذي: (( أعطان الإبل ) ).
وفي حديث عبد الله بن عمر عند أحمد: (( مرابد الإبل ) )فعبر المصنف بالمواضع؛ لأنها أشمل والمعاطن أخص من المواضع؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء خاصة.
وقد ذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن التي تكون فيها الإبل، وقيل: هو مأواها مطلقًا نقله صاحب (( المغني ) )عن أحمد انتهى.
وقال العيني: إن أراد البخاري من مواضع الإبل معاطنها فالصلاة فيها مكروهة عند قوم خلافًا لآخرين، وإن أراد بها أعم من ذلك فالصلاة فيها غير مكروهة بلا خلاف، وعلى كلا التقديرين
ج 2 ص 211
لم يذكر في الباب حديثًا يدل على أحد الفصلين، وإنما ذكر فيه الصلاة إلى البعير وهو لا يطابق الترجمة.
وعن هذا قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث بيان أنه صلى في موضع الإبل وإنما صلى إلى البعير لا في موضعه، وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك عطنًا أو موضعًا للإبل.
قلت: لأن العطن اسم لمبرك الإبل عند الماء لتشرب عللها بعد نهل، فإذا استوفت ردت إلى المراعي.
وأجاب بعضهم عن كلام الإسماعيلي بقوله: إن مراده الإشارة إلى ما ذكر من علة النهي عن ذلك، وهي كونها من الشياطين كأنه يقول: لو كان ذلك مانعًا من صحة الصلاة لامتنع مثله في جعلها أمام المصلي وكذلك صلاة راكبها، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي النافلة وهو على بعيره.
قلت: سبحان الله ما أبعد هذا الجواب عن موقع الخطاب، فإنه متى ذكر علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل حتى يشير إليه، ولم يذكر شيئًا في كتابه من أحاديث النهي في ذلك، وإنما ذكره غيره.
فمسلم ذكر حديث جابر بن سمرة من رواية جعفر بن أبي ثور عنه: (( أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضؤ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: فتوضأ من لحوم الإبل قال: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم قال: أأصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا ) ).
ثم ذكر نحو اثني عشر حديثًا في كل منها إباحة الصلاة في مرابض الغنم والنهي عنها في معاطن الإبل ومباركها، وفي بعضها التعليل بأنها خلقت من الشياطين، ولم يتعرض في (( الانتقاض ) )لدفع هذا الاعتراض.
وأقول: ما المانع أن يكون البخاري أشار بوضع الترجمة إلى الأحاديث التي وقع فيها تعليل النهي بكونها من الجن، وإنما لم يذكرها لكونها ليست على شرطه لكنها صالحة للاحتجاج ولا بعد في ذلك وله في كتابه نظائر.
قال العيني: عموم حديث: (( جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ) )يدل على جواز الصلاة في أعطان الإبل وغيرها بعد أن كانت طاهرة، وهو مذهب جمهور العلماء.
وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وآخرون، وكرهها الحسن البصري وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وعن أحمد في رواية مشهورة عنه: (( أنه إذا صلى في أعطان الإبل فصلاته فاسدة ) )وهو مذهب أهل الظاهر، وقال ابن القاسم: لا بأس بالصلاة فيها، وقال أصبغ: يعيد في الوقت. انتهى.
وظاهر كلامه: أن الصلاة في معاطن الإبل غير مكروهة عند الشافعي وأبي حنيفة وفيه نظر لتصريح الشافعية بكراهة الصلاة فيها، ومثل ذلك في كتب الحنفية.
قال في (( النهر ) ): ومن المكروهات أيضًا الصلاة في مظان النجاسة كمعاطن الإبل والمجزرة والمغتسل والحمام.
وجزم في (( زاد الفقير ) )لابن الهمام: بأنه إذا غسل موضعًا في الحمام وصلى فيه فلا بأس، وكذا لو صلى في موضع نزع الثياب انتهى.
ومثله في قاضي خان اللهم إلا أن يحمل الجواز في كلامه على ما يقابل الحرام أو كراهة التحريم لا الجواز المستوي الطرفين فيشمل حينئذ المكروه تنزيهًا.