فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 1465

(13) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) قال في (( الفتح ) ): هو مضاف بلا تردد، وسقط لفظ عند الأصيلي، ومقول قوله عليه الصلاة والسلام: (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ) أي: أعرفكم به.

قال في (( الفتح ) ): كذا في رواية أبي ذر، وهو لفظ الحديث الذي

ج 1 ص 239

أورده في جميع طرقه، وفي رواية الأصيلي: كأنه مذكور بالمعنى حملًا على ترادفهما وهو ظاهر ما هنا، وعليه عمل المصنف انتهى.

ووجه دلالته على مقصود المصنف أنه كلما كان الرجل أقوى في دينه وأتقى كان أعرف بربه، وينشأ من ذلك مزيد خشيته وخوفه وذلك يدل على قبول الإيمان الزيادة والنقص.

قال العيني: وجه المناسبة بين البابين أن الباب الأول بين فيه أن من الدين الفرار من الفتن، وقوة الدين تدل على قوة المعرفة بالله تعالى، فكلما كان الرجل أقوى في دينه كان أقوى في معرفة ربه، وفي هذا الباب بين أن أعرف الناس بالله تعالى هو النبي صلى الله عليه وسلم فلا جرم هو أقوى دينًا من الكل انتهى.

(وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ) بفتح الهمزة من أن عطفًا على القول لا على المقول وإلا لكسرت إذ القول وما عطف عليه حكمهما واحد؛ أي: باب كذا وباب بيان أن المعرفة فعل القلب.

قال في (( التنقيح ) ): وقد اختلف في مراده بهذه الترجمة فقيل: الرد على الكرامية في أن الإيمان قول باللسان، ولا يشترط فيه عقد القلب، وقيل: بيان تفاوت الدرجات في العلم، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، ولسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلاها وإن كان من العقائد وأفعال القلوب انتهى.

وقال ابن كمال باشا: وجه تعلق هذه الترجمة بالإيمان هو أن العلم به، وكذا المعرفة به التصديق فيرجع إلى الإيمان، فالمقصود بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدهم إيمانًا، ولا رد فيه على الكرامية كما توهم؛ لأنه موقوف على أن الإيمان كله أو بعضه هو المعرفة، وما ذكر ساكت عنه انتهى.

يعني أنه لم يقل والمعرفة إيمان أو من الإيمان ليكون ردًا على الكرامية، وأن المعرفة فعل القلب ولا يلزم منه أن تكون إيمانًا لأن الإيمان هو التصديق الذي هو المعرفة مع الإذعان والتسليم لا مطلق المعرفة كم هو مقرر في كتب الكلام.

(لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) ولأبوي ذر والوقت: ( {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} ) أي: عزمت عليه، قال ابن كمال باشا: وجه الاستدلال به على أن المعرفة فعل القلب هو أن المراد بما كسبته القلوب ما يعم العقائد الباطلة وهي من جنس المعرفة.

ومن قال: قوله: (( بما كسبت قلوبكم ) )؛ أي: بما عزمت عليه قلوبكم وقصدتموه إذ كسب القلب عزمه وتثبته فقد أخطأ حيث أخل بوجه الاستدلال به فإن العزم والقصد ليس من جنس المعرفة، وعلى تقدير أن يكون المراد بما كسبت القلوب العزم، والقصد لا يكون القول المذكور دليلًا على أن المعرفة فعل القلب على أنه يتجه عليه أن يقال: إن أردت أن كسب القلب منحصر في العزم والنية فلا وجه له؛ لأن فساده ما ظهر من أن يخفى، فإن المعارف والعلوم من كسب القلب، وإن أردت أنها من جملة كسب القلب فمُسَلم، إلا أنه حينئذ لا يتم التقريب إذ لا يلزم من ذلك أن يكون المراد بما كسبت القلوب ما عزمت عليه انتهى.

ومراده بما قال الكرماني، ولم ينفرد الكرماني بذلك بل تابعه الحافظ والعيني والقسطلاني، وفي جعله المعارف والعلوم من فعل القلب نظر إذ التحقيق عند حذاق علماء الميزان أنها من مقولة الكيف لا من مقولة الفعل فليتأمل.

قال في (( الفتح ) ): والآية وإن وردت في الإيمان بالفتح فالاستدلال بها في الإيمان بالكسر واضح للاشتراك في المعنى إذ مدار الحقيقة فيها على عمل القلب، وكأن المصنف لمح بتفسير زيد بن أسلم فإنه قال في قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة:225] قال: هو كقول الرجل: إن فعلت كذا فأنا كافر، قال: لا يؤاخذ الله بذلك حتى يعقد قلبه، فظهرت المناسبة بين الآية والحديث، وظهر وجه دخولهما في مباحث الإيمان فإن فيه دليلًا على بطلان قول الكرامية أن الإيمان قول فقط، ودليلًا على زيادة الإيمان ونقصانه لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (( أنا أعلمكم بالله ) )ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك فهذا هو الإيمان حقًا انتهى.

وفي تفسير القاضي البيضاوي: اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين ما لا عقد معه كان سبق به اللسان، أو تكلم به جاهلًا لمعناه، أو كقول العرب: لا والله، وبلى والله لمجرد التأكيد لقوله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} والمعنى: لا يؤاخذكم الله بعقوبة ولا كفارة بما لا قصد معه، ولكن يؤاخذكم بهما أو بأحدهما بما قصدتم من الإيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم.

وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلف الرجل بناء على ظنه الكاذب، والمعنى لا يعاقبكم على ما أخطأتم فيه من الإيمان، ولكن بما تعمدتم الكذب فيها انتهى.

ج 1 ص 240

وقال النووي: في الآية دليل على المذهب الصحيح أن أفعال القلوب يؤاخذ بها إذا استقرت، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل ) ).

فمحمول على ما إذا لم يستقر، وذلك معفو عنه بلا شك؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار.

قال في (( الفتح ) ): ويمكن أن يستدل لذلك من عموم قوله: أو تعمل؛ لأن الاعتقاد هو عمل القلب انتهى.

وتعقب ذلك ابن كمال باشا فقال: وفي التيسير ذكر شمس الأئمة أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الحلواني في كتابه في (( أحكام القرآن ) )في قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} [البقرة:284] فقال: إن الخطوة لا يؤاخذ بها، والعزم يؤاخذ به، والله تعالى يعاتبه ويحاسبه ثم إن شاء غفر له وذلك فضل منه، وإن شاء عذبه وذلك عدل منه.

واستدل عليه بقوله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة:225] .

وفي معالم التنزيل اختلفوا في تأويلها فقال قوم: قد أثبت الله تعالى للقلب كسبًا فقال: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} فليس لله عبد أسر عملًا أو أعلنه من حركة في جوارحه أو همة في قلبه إلا يخبوه الله تعالى يحاسبه عليه ثم يغفر لما يشاء ويعذب ما يشاء، وهذا معنى قول الحسن يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء:] .

وقال آخرون: معنى الآية أن الله تعالى يحاسب خلقه بجميع ما أبدوه من أعمالهم أو أخفوه، ويعاقبهم عليه غير أن معاقبته على ما أخطئوه مما لم يعمدوه بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها، فهذا قول عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا عائشة هذه معاقبة الله تعالى العبد لما يصيبه من الحمى والنكبة حتى الشوك والبضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيروع لها فيجدها في جيبه حتى إن المؤمن يخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير ) ). إلى هنا كلامه، ومن هنا تبين أن ما نقل آنفًا من قوله: وذلك معفو عنه بلا شك مردود بلا شك انتهى.

تنبيهات:

الأول: اختلف العلماء في محل العلم الحادث مع اتفاق أهل الحق على أنه غير متعين عقلًا بل يجوز أن يخلقه الله تعالى في أي جوهر أراد، والصحيح أنه القلب؛ لأن السمع قد دل عليه في عدة آيات كقوله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج:46] وأشار إليه المصنف بقوله: وأن المعرفة فعل القلب.

الثاني: اختلف في العلم والمعرفة فقيل بترادفهما، وعليه المصنف وجماعة، وقيل: بل بينهما فرق فقيل: المعرفة إدراك الجزئيات، والعلم إدراك الكليات، وقيل: العلم إدراك المركبات، والمعرفة إدراك البسائط، وعلى هذين القولين يقال: عرفت الله دون علمته.

قال في (( المطول ) ): وأيضًا المعرفة للإدراك المسبوق بالعدم، أو للأخير من الإدراكين لشيء واحد إذا تخلل بينهما عدم بأن أدرك أولًا ثم ذهل عنه ثم أدرك ثانيًا، والعلم للإدراك المجرد من هذين الاعتبارين ولذا يقال: الله تعالى عالم، ولا يقال: عارف انتهى.

الثالث: قال إمام الحرمين: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى، واختلفوا في أول واجب فقيل: المعرفة، وقيل: النظر، وقيل: القصد إلى النظر الصحيح.

وقال: المقترح لا خلاف بأن أول واجب خطابًا ومقصود المعرفة، وأول واجب اشتغالًا وأداء القصد إلى النظر.

قال في (( الفتح ) ): وفي نقل الإجماع نظر كسر ومنازعة طويلة حتى نقل جماعة الإجماع على نقيضه، واستدلوا بأطباق أهل العصر الأول على قبول الإسلام ممن دخل فيه من غير تنقيب والآثار في ذلك كثيرة جدًا.

وأجاب الأولون عن ذلك: بأن الكفار كانوا يذبون عن دينهم ويقاتلون عليه فرجوعهم عنه دليل على ظهور الحق لهم، ومقتضى هذا أن المعرفة المذكورة يكتفي بها بأدنى نظر بخلاف ما قرروه، ومع ذلك فقول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30] .

وحديث: (( كل مولود يولد على الفطرة ) )ظاهر أن في دفع هذه المسألة من أصلها، وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت