(29) (باب
الدِّينُ يُسْرٌ)باب هنا خبر لمبتدأ محذوف مضاف إلى الجملة من المبتدأ والخبر أعني قوله: (( الدين يسر ) )كذا في العيني.
والمراد بالدين: دين الإسلام؛ لأنه المعهود عند أهله، ويسْر بضم السين وإسكانها؛ أي: ذو يسر أو هو عينه على سبيل المبالغة، فكأنه لشدة اليسر وكثرته فيه عين اليسر كما يقال: أبو حنيفة فقه لكثرة فقهه فكأنه صار عين الفقه، ومنه: رجل عدل، واليسر نقيض العسر.
ومعناه: التخفيف ثم كون هذا الدين يسرًا يجوز أن يكون بالنسبة إلى سائر الأديان وهو الظاهر؛ لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم كعدم جواز الصلاة إلا في المسجد وعدم جواز الطهارة بالتراب عند فقد الماء وقطع الثوب الذي تصيبه النجاسة وعدم قبول التوبة بدون قتل أنفسهم ونحو ذلك فإن الله تعالى لطفًا منه وعناية بهذه الأمة رفع هذه الآصار عنهم إكرامًا لنبيهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الترجمة بعض حديث الباب.
(وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) بالجر عطفًا على محل الجملة المضاف إليها.
وقال القسطلاني: بابٌ بالتنوين، ثم قال: وقولِ النبي صلى الله عليه وسلم بجر قول وفيه نظر، إذ لا وجه لجر قول على تقدير تنوين باب، وقال أيضًا: وفي فرع اليونينية: وقولُ بالرفع فقط على القطع. انتهى.
أقول: وفيه نظر أيضًا، إذ القطع لا يجري في عطف النسق وإنما سمع في النعت والبدل، وإنما يتخرج ما في فرع اليونينية على أنه مبتدأ حذف خبره؛ أي: وقول النبي صلى الله عليه وسلم دليل على ذلك، أو مطابق له ونحو ذلك، فليتأمل.
(أَحَبُّ الدِّينِ) أي: أحب خصال الدين المعهود وهو دين الإسلام (إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) الملةُ (الْحَنِيفِيَّةُ) أي: المائلة عن الباطل إلى الحق من الحنف، وهو كما قال الراغب الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال، وسمت العرب كل من حج أو اختتن حنيفًا تنبيهًا على أنه على دين إبراهيم عليه السلام (السَّمْحَةُ) أي: السهلة والمسامحة المساهلة، والملة السمحة: هي التي لا حرج فيها ولا تضييق فيها على الناس؛ أي: ملة الإسلام.
قال الكرماني: ويحتمل أن يكون اللام للعهد ويرد بالملة الحنيفية الملة الإبراهيمية مقتبسًا من قوله تعالى: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [البقرة:135] لأنه مال عن عبادة الأوثان.
ومعناه: بعثت بالملة الإبراهيمية التي مبناها على السهولة والسماحة المخالفة لأديان بني إسرائيل وما يتكلفه أحبارهم ورهبانهم من الشدائد. انتهى.
وقال أيضًا: وأحب هنا بمعنى المحبوب لا بمعنى المحب. انتهى.
يشير إلى أن أفعل التفضيل صيغ من حب المبني للمفعول على غير القياس.
وقال العيني: التطابق بين المبتدأ والخبر شرط والمبتدأ هاهنا مذكر والخبر مؤنث.
قلت: كأن الحنيفية غلب عليها الإسمية حتى صارت علمًا، أو أن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له.
فإن قلت: فيلزم أن تكون الملة دينًا، وأن يكون سائر الأديان محبوبًا إلى الله تعالى، وهما باطلان، إذ المفهوم من الملة غير المفهوم من الدين وسائر الأديان منسوخة.
قلت: قال الكرماني: اللازم الأول؛ قد يلتزم، وأما الثاني؛ فموقوف على تفسير المحبة، أو المراد بالدين الطاعة؛ أي: أحب الطاعات هي السمحة.
قلت: لا يخلو الألف واللام في الدين أن تكون للجنس أو للعهد، فإن كان للجنس، فالمعنى أحب الأديان إلى الله تعالى الحنيفية، والمراد بالأديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ، وإن كان للعهد فالمعنى: أحب الدين المعهود وهو دين الإسلام، ولكن التقدير أحب خصال الدين، وخصال الدين كلها محبوبة، ولكن ما كان منها سمحًا سهلًا فهو أحب إلى الله تعالى.
ويدل عليه ما رواه أحمد في (( مسنده ) )بسند صحيح من حديث أعرابي لم يسمِّه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( خير دينكم أيسره ) ). انتهى.
وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب؛ لأنه ليس على شرطه، ووصله في كتاب (( الأدب المفرد ) )ووصله ابن أبي شيبة، وكذا أحمد بن حنبل عن ابن عباس بسند حسن، واستعمله المصنف في الترجمة؛ لنزوله عن شرطه، لكن قوَّاه بما دلَّ على معناه من حديث الباب وهو اليسر، إذ اليسر والسهولة متقاربان.
والمقصود بالترجمة كما قال ابن بطال: إن الدين يقع على الأعمال؛ لأن الذي يتصف بالعسر واليسر إنما هو الأعمال دون التصديق.
زاد في (( التنقيح ) ): ولذلك قال: وشيء من الدلجة؛ لأن الدلجة سير الليل كله، والعمل في الليل كله أشق.