فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 1465

(6)(بَابُ مَنْ بَدَأَ بِالْحِلاَبِ أَوِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ): الحِلَاب _ بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام _ إناء يحلب فيه ويسمى مِحْلَبًا أيضًا بكسر الميم وسكون المهملة وفتح اللام وأما المَحلب _ بفتح الميم _ فنوع من الحب يقع في الطيب.

ومطابقة هذه الترجمة للحديث مشكلة وقد افترق الناظرون في كلام المصنف ثلاث فرق:

الأولى: من حكم عليه بالسهو ونسبه إلى الوهم كالإسماعيلي؛ فإنه قال في (( مستخرجه ) ): رحم الله أبا عبد الله _ يعني: البخاري _ من ذا الذي يسلم من الغلط ظن أن الحلاب طيب وأي معنى له قبل الغسل؟ وإنما هو إناء يحلب فيه ويسمى محلبًا أيضًا. قال: وفي تأمل طرق هذا الحديث بيان ذلك حيث جاء فيه: (( كان يغتسل من حلاب ) ). انتهى.

وهي رواية ابن خزيمة وابن حبان أيضًا.

وكالخطابي في (( شرح أبي داود ) )فإنه قال: الحلاب: إناء يسع قدر حلب ناقة. قال: وقد ذكره البخاري وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، وأحسبه توهم أنه أريد به المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي وليس الحلاب من الطيب في شيء وإنما هو ما فسرت لك قال الشاعر:

~صاح هل رَيْتَ أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في الحلاب

وتبع الخطابي ابن قرقول في (( المطالع ) )، وابن الجوزي وجماعة.

الفرقة الثانية: من تصدى لتصحيح كلام المصنف فضبط لفظ الحلاب على غير المعروف في الرواية لتصح المطابقة كالأزهري فإنه قال في (( التهذيب ) ): الحلاب في هذا الحديث: ضبطه جماعة بالمهملة واللام الخفيفة؛ أي: ما يحلب فيه كالمِحلب _ بكسر الميم _ فصحفوه وإنما هو: الجُلَّاب _ بضم الجيم وتشديد اللام _ وهو ماء الورد فارسي معرب. انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وقد أنكر جماعة على الأزهري هذا من جهة أن المعروف في الرواية بالمهملة والتخفيف ومن جهة المعنى أيضًا قال ابن الأثير: لأن الطيب لأن يستعمل بعد الغسل أليق منه قبله وأولى؛ لأنه إذا بدأ به ثم اغتسل أذهبه الماء.

وقال الحميدي في (( الجمع بين الصحيحين ) ): ضم مسلم هذا الحديث مع حديث الفرق وحديث قدر الصاع في موضع واحد فكأنه تأولها على الإناء. وأما البخاري فربما ظن ظان أنه تأوله على أنه نوع من الطيب يكون قبل الغسل؛ لأنه لم يذكر في الترجمة غير هذا الحديث. انتهى.

فجعل الحميدي كون البخاري أراد ذلك احتمالًا؛ أي: ويحتمل أنه أراد غير ذلك لكن لم يفصح به.

وقال القاضي عياض: الحلاب والمِحلب _ بكسر الميم _ إناء يملأه قدر حلبه الناقة. وقيل: المراد _ أي: في هذا الحديث _ مَحلب الطيب وهو بفتح الميم قال: وترجمة البخاري تدل على أنه التفت إلى التأويلين. قال: وقد رواه بعضهم في غير (( الصحيحين ) ): الجُلَّاب _ بضم الجيم وتشديد اللام _ يشير إلى ما قاله الأزهري.

ج 1 ص 759

وقال النووي: قد أنكر أبو عبيد الهروي على الأزهري ما قاله. وقال القرطبي: الحِلاب _ بكسر المهملة _ ولا يصح غيرها وقد وهم من ظنه من الطيب وكذا من قال بضم الجيم. انتهى.

الفرقة الثالثة: الذين تكلفوا لتصحيح المطابقة من غير ارتكاب تصحيف ولا تغيير منهم: المحب الطبري قال: لم يرد البخاري بقوله: (( الطيب ) ): ما له عرف طيب، وإنما أراد: تطييب البدن بإزالة ما فيه من وسخ ودرن ونجاسة إن كانت. وإنما أراد بالحلاب: الإناء الذي يغتسل منه يبدأ به فيوضع فيه ماء الغسل. قال: و (( أو ) ): في قوله: (( أو الطيب ) ): بمعنى الواو وكذا ثبت في بعض الروايات كما ذكر الحميدي.

ومحصل ما ذكره: أنه يحمله على إعداد ماء الغسل ثم الشروع في التنظيف قبل الشروع في الغسل.

وقيل: يحتمل أن البخاري أراد الإشارة إلى ما روي عن ابن مسعود: أنه كان يغسل رأسه بخطمي ويكتفي بذلك في غسل الجنابة، كما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه. ورواه أبو داود مرفوعًا عن عائشة بإسناد ضعيف فكأنه يقول: دل هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل الماء في غسل الجنابة، ولم يثبت أنه كان يقدم على ذلك شيئًا مما ينقي البدن كالسدر.

ويقوي ذلك ما في معظم الروايات: (( بالحلاب أو الطيب ) ): بـ (( أو ) ): الدالة على أن الطيب قسيم الحلاب فيحمل على أنه من غير جنسه. وجميع من اعترض عليه حمله على أنه أراد من جنسه فلذلك أشكل عليهم. والمراد بالحلاب على هذا: الماء الذي في الحلاب فأطلق اسم المحل على الحال مجازًا، كذا في (( فتح الباري ) ).

وفيه: أيضًا: قال الكرماني: يحتمل أن يكون أراد بالحلاب: الإناء الذي فيه الطيب فالمعنى: بدأ تارة بطلب ظرف الطيب وتارة بطلب نفس الطيب فدل حديث الباب على الأول دون الثاني. انتهى.

وهو مستمد من كلام ابن بطال؛ فإنه قال بعد حكايته لكلام الخطابي: وأظن البخاري جعل الحلاب في هذه الترجمة ضربًا من الطيب. قال: فإن كان ظن ذلك فقد وهم وإنما الحلاب: الإناء الذي كان فيه طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يستعمله عند الغسل تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم. انتهى كلامه.

فكأنه جعل قوله في الحديث: (( فأخذ بكفه ) ): أي: من الطيب الذي في الإناء فبدأ بشق رأسه الأيمن؛ أي: فطيبه ... إلخ ومحصله: أن الصفة المذكورة صفة التطيب لا الاغتسال وهو توجيه حسن بالنسبة لظاهر لفظ الرواية التي ساقها البخاري، لكن من تأمل طرق الحديث _ كما قال الإسماعيلي _ عرف أن الصفة المذكورة للغسل لا للتطيب فروى الإسماعيلي من طريق مكي بن إبراهيم عن حنظلة في هذا الحديث: (( كان يغتسل بقدح ) ): بدل قوله: (( بحلاب ) )وزاد فيه: (( كان يغسل يديه ثم يغسل وجهه ثم يقول بيده ثلاث غرف وللجوزقي من طريق حمدان السلمي عن أبي عاصم: (( اغتسل فأتي بحلاب فغسل شق رأسه الأيمن ) )، الحديث فقوله: (( اغتسل ) (( يغتسل ) ): يدل على أنه إناء الماء لا إناء الطيب.

ثم أورد روايات أخر للحديث يدل على أنه إناء الماء لا إناء الطيب ثم قال: فهذا كله يبعد تأويل من حمله على التطيب. ثم قال: ورأيت عن بعضهم: أن المراد بالطيب في الترجمة: الإشارة إلى حديث عائشة: (( أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم عند الإحرام ) )، قال: والغسل من سنن الإحرام فكأن الطيب حصل عند الغسل فأشار البخاري هنا إلى أن ذلك لم يكن مستمرًا من عادته. انتهى.

ويقويه تبويب البخاري بعد ذلك بسبعة أبواب: باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب، ثم ساق حديث عائشة: (( أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرمًا ) )، وفي رواية بعدها: (( كأني أنظر إلى وبيص الطيب _ أي: لمعانه _ في مفرقه صلى الله عليه وسلم وهو محرم ) )وفي رواية أخرى عنده قبيل هذا الباب: (( ثم يصبح محرمًا ينضح طيبًا ) )فاستنبط الاغتسال بعد الطيب من قولها: (( ثم طاف على نسائه ) ): لأنه كناية عن الجماع ومن لازمه الاغتسال فعرف أنه اغتسل بعد أن تطيب وبقي أثر الطيب بعد الغسل لكثرته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الطيب ويكثر منه.

فعلى هذا فقوله هنا: (( من بدأ بالحلاب ) ): أي: بإناء الماء الذي للغسل فاستدعي به

ج 1 ص 760

لأجل الغسل، أو: من بدأ بالطيب عند إرادة الغسل فالترجمة مترددة بين الأمرين فدل حديث الباب على مداومته على البداءة بالغسل.

وأما التطيب بعده فمعروف من شأنه وأما البداءة بالطيب قبل الغسل فبالإشارة إلى الحديث الذي ذكرناه. وهذا أحسن الأجوبة عندي وأليقها بتصرفات البخاري والله أعلم فعرف من هذا أن قول الإسماعيلي: وأي معنى للطيب عند الغسل؟ معترض وكذا قول ابن الأثير الذي تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت