وقد اتَّفقت الأمة وصح عند كل مسلم على أن أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى صحيحا البخاري ومسلم، ولكن البخاري هو الأول، وعليه في هذا الشأن المعول فإنه شيخ هذا الفن الذي فتح الله عليه بمعرفته ومنَّ.
وقد جد واجتهد وأكثر الرحلة من بلد إلى بلد، وسافر في طلب الحديث وجال، وما أخذ إلا عن ثقات الرجال، وتأمل الأحاديث وتدبر وحرَّر كتابه وحبر، وأبرزه أحسن من روضة الزهر، وعلقه عقدًا فريدًا في جيد الدهر، وعدة هذا الكتاب الفائق الذي تكشف عند قراءته الكرب والمضايق، وتنشرح به صدور الأمة، وتنزل على المؤمنين عند قراءته الرحمة سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا كان الله له على جمعها معينًا ومغيثًا، منها أربعة آلاف مفردة وباقيها مكررة، وما تكرر فيها حديث إلا لفائدة أو لفضيلة مع الراوي زائدة.
وقال المؤلف رحمه الله تعالى: حفظت مائة ألف حديث صحيح ومائة ألف حديث غير صحيح، وانتقيت كتابي هذا من ستمائة ألف حديث وأخذت الثمين، ونبذت الغثيث، وما وضعت فيه حديثًا حتى اغتسلت وصليت ركعتين، وكان تأليفه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدَّة ستة عشر سنة فيكون قد اغتسل سبعة آلاف ومائتين وخمسة وسبعين غسلًا، وصلى أربعة عشر ألف ركعة وخمسمائة وخمسين ركعة.
وقال الفربري: قال البخاري: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأنا واقف بين يديه وفي يدي مروحة، فقيل لي: إنك تذب عن حديثه الكذب.
وقال الفربري: وأنا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام والبخاري يمشي خلفه، فكلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم قدمه وضع البخاري قدمه مكانها، ففسر ذلك باتباعه لسنته.
وقال الفربري أيضًا: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: إلى كم تقرأ كتب العلم ولا تقرأ كتابي؟ قلت: وما كتابك يا رسول الله؟ فقال: كتاب محمد بن إسماعيل البخاري.
وقد أكثر الناس في مدحه
ج 1 ص 8
ومدح كتابه بما هو مسطر على صفحات الدهور، ويحق أن يكتب بالنور على وجنات الحور، فمن ذلك قول أثير الدين أبي حيان:
~أطالب أخبار الرسول لك البشرى لقد سدت في الدنيا وقد فزت في الأخرى
~تشنف أسماعًا بعقد جواهر تودّ الغواني لو تقلده النحرا
~جواهر كم حلت نفوسًا نفيسةً فحلَّت بها صدرًا وجلت بها قدرًا
~هل الدين إلا ما روته أكابر لنا نقلوا الأخبار عن طيب خبرا
~وأدوا أحاديث الرسول مصونة من الزيف والتَّصحيف فاستوجبوا الشكرا
~وإن البخاري الإمام لجامع بجامعه منها اليواقيت والدرا
~على مفرق الإسلام تاج مرصع أضاء به شمسًا ونار به بدرا
~وبحر علوم يلفظ الدر لا الحصى فأنفس به درًّا وأعظم به بحرا
~تصانيفه نور ونور لناظر فقد أشرقت زهرًا وقد أنبتت زهرًا
~نحا سنة المختار ينظم شتها يلخصها جمعًا ويخلصها تبرا
~وكم بذل النفس المصونة جاهدًا فجاز لها بحرًا وجاب لها برا
~فطورًا عراقيًا وطورًا يمانيًا وطورًا حجازيًا وطورًا أتى مصرا
~إلى أن حوى منها الصحيح صحيحه فوافى كتابًا قد غدا الآية الكبرى
~كتاب له من شرع أحمد شرعة مطهرة تعلو السماكين والنسرا
ومن ذلك قول الإمام تاج الدين السبكي:
~علا عن المدح حتى ما يزان به كأنما المدح من مقداره يضع
~فهو الكتاب الذي يتلو الكتاب هدى هذي السيادة طود ليس ينصدع
~الجامع المانع الدين القويم وحا مي الشريعة أن تغتالها البدع
~قاصي المراتب داني الفضل تحسبه كالشمس يبدو سناها حين ترتفع
~ذلت رقاب جماهير الأنام له فكلهم وهو عال فيهم خضعوا
~لا تسمعن حديث الحاسدين له فكل ذلك موضوع ومنقطع
~وقل لمن رام يحكيه اصطبارك لا تعجل فإن الذي تبغيه ممتنع
~وهبك تأتي بما يحكي شكالته أليس يحكى محيا الجامع البيع
هذا وفي العزم والنية إذا يسر الله تعالى من ختم هذا الشرح نيل الأمنية قبل حلول الأجل واخترام المنية أن أكون لعنان العناية نحو تحبير هذا الخطبة ثانيًا، وأعود إلى إيداعها الفوائد المتعلقة بهذا الفن ثانيًا بحيث لا يحتاج الناظر في هذا الشرح إلى غيره من الشروح، ويغني عنها كما تغني عن المصابيح ....
وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الملك المعبود فأقول مادًّا إلى الله تعالى أكف الضراعة، ومتوسلًا إليه في تيسير ذلك بصاحب الشفاعة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام ما اتصلت سلسلة الليالي والأيام.
ج 1 ص 9