يذهب أصحاب هذا المذهب إلى أنَّ عقود الإذعان عقود غير حقيقية، ويرون أنها عبارة عن مراكز قانونية منظمة، وأنها ليست بعقود، لأنَّ العقد لا ينعقد صحيحًا، ولا تترتب عليه آثاره، إلَّا إذا توافرت في أطرافه حرية الإرادة، والاختيار، وعقود الإذعان لا تتوافر فيها حرية الإرادة، وإنْ توافرت حرية اختيار العقد، فأحد أطراف العقد يمضيه وهو غير مكتمل الرضا؛ لأنه لا يستطيع الاعتراض على أيّ شرط من الشروط التي يمليها الطرف القوي، فالرابطة القانونية بينهما أملتها إرادة الطرف القوي (المُحْتَكِر) وحده [1] .
وهؤلاء يذهبون إلى أنَّ هذه الإرادة المنفردة التي يملي بها المُحْتَكِر شروطه، تُعدُّ بمثابة قانون ينظِّم هذا الضرب من العقود، وهذا ما أخذت به شركات الاحتكار الناس، شأنه شأن كل قانون يطبَّق على المجتمعات.
ولهذا فإنهم يرون أنَّ تفسير عقد الإذعان، وتحديد ما يولّده من التزامات، يجب أنْ يكون في ظل هذه الاعتبارات؛ فيفسَّر العقد كما يُفسَّر القانون، ولا يُفسَّر بحسبان أنه وليد إرادة الأفراد، بل يفسَّر بحسبان أنه رابطة قانونية تنظم المصلحة العامة لمجموع الأفراد الذين يخضعون لها،"فيُطبَّق هذا القانون التعاقدي تطبيقًا تراعى فيه مقتضيات العدالة، وحسن النية، ويُنظر فيه إلى ما تستلزمه الروابط الاقتصادية التي وُضع لتنظيمها".
وأصحاب هذا المذهب يرون أنَّ فكرة العقد وحدها غير كافية لتفسير هذه الروابط التي تقوم بين الشركات والأفراد، بل يرون أنَّ تفسيرها يقتضي النظر إلى"حاجة الصناعة، ومصالح العمال، ورب العمل في وقت واحد"، وهم يرون أنَّ العامل ينضم إلى نظام لا يد له في وضع شروطه، ولا في تحديد آثاره، ولا يحق
(1) انظر: موسوعة السنهوري في شرح القانون المدني المصري: نظرية العقد - ص 283 وما بعدها