ونظرًا لعموم البلوى بعقود الإذعان، واضطرار طالب السلعة أو الخدمة المُحْتَكَرة إلى إجراء العقد عن طريق الإذعان، ولما كان الأمر كذلك وبناءً على ما قَدَّمْتُ من أنظار الفقهاء في إباحة العقود أو منعها، فإنه يمكن تخريج مذاهب الفقهاء الإسلاميين بالنسبة لإباحة عقود الإذعان أو منعها، على النحو التالي:
(أ) مذهب جمهور الفقهاء: [1]
وهذا المذهب يُخَرَّجُ على قواعد جمهور الفقهاء، وفحواه أنه يجوز التعاقد عن طريق الإذعان، وذلك مراعاةً للمصلحة التي تقتضيها الضرورة، والحاجة الماسة، ومراعاةً لعموم البلوى بعقود الإذعان في هذا العصر الذي تعقَّدت فيه صور المعاملات، بل أساليب الحياة عامة.
ولا بُدَّ لمن يقول بهذا المذهب من مراعاة القواعد الفقهية، والضوابط التي قرَّرها القانون للحد من الشروط التعسفية التي ترد في العقد، وذلك بهدف إزالة الغبن الذي يقع على الطرف المُذْعِن، وإعادة التوازن إلى العقد، وهذا المذهب مبنيٌّ على قاعدة:"أنَّ الأصل في العقود الإباحة، إلاَّ ما دَلَّ الشارع على تحريمه". [2]
(ب) مذهب الظاهرية: [3]
وهذا المذهب يمكن تخريجه على ما قرَّره الإمام ابن حزم الظاهري بقوله في إباحة العقود وحظرها:"إنَّ كل عقد، أو شرط، أو عهد، أو نذر التزمه المرء،"
(1) هم:"الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة".
(2) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي:، المجلد 2، 3/ 356. والإمام الشافعي: الأم، 3/ 3، والنووي، أبو زكريا محي الدين بن شرف: شرح النووي على صحيح مسلم، مؤسسة مناهل العرفان، بيروت، المجلد 4، 10/ 158، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، المجلد 29، 9/ 132 ـ 146.
(3) الإحكام في أصول الأحكام ج 5 ص 6 لابن حزم