فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 157

فإنه ساقطٌ مردود، ولا يلزمه منه شيء أصلًا، إلَّا أنْ يأتي نص، أو إجماع على أنَّ ذلك الشيء الذي التزمه بعينه واسمه، لازم له؛ فإنْ جاء نص، أو إجماع بذلك لزمه، وإلَّا فلا، والأصل براءة الذمم من لزوم جميع الأشياء إلَّا ما ألزمنا إيَّاه نص أو إجماع، فإنْ حَكَمَ حاكم بخلاف ما قلنا فسخ حكمه، ورُدَّ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) [1]

وهذا المذهب فحواه أنَّ الأصل في العقود والشروط الحظر والمنع إلى أنْ يقوم دليل الإباحة، وعلى هذا فإنَّ عقد الإذعان يُعَدُّ عند الظاهرية عقدًا ممنوعًا، ويبطل إجراؤه، ولا تترتب على انعقاده أي آثار عقدية، فهو باطل، إذ لم يرد به نص من قرآن أو سنة أو إجماع، لا باسمه، ولا بعينه، ولا بوصفه.

والراجح عندي: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وذلك لأنَّ نصوص الكتاب والسُّنَّة محدودة ومتناهية، وأقضية الناس غير محدودة ولا متناهية، ولأن كثيرًا من الأقضية قد حدثتْ بعد عصر النبي -صلي الله عليه وسلم- ولم يرد بها نص من قرآن ولا سنة، ولا إجماع، فإذا لم يجتهد فقهاء عصر الحادثة الجديدة في البحث لها عن حكم شرعي وفق ضوابط الشرع، يقع الناس في حرج ومشقة شديدين، ورفع الحرج ودفع المشقة أَمَرَ بهم الشارع الحكيم.

كما أنَّ الحكمة من فتح باب الاجتهاد اقتضتها صلاحية الشرع الإسلامي لكل زمان ومكان، وهذا ما قرَّره النبي -صلي الله عليه وسلم- فيما يرويه عنه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- إذ قال عليه الصلاة والسلام: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) . [2]

(1) صحيح مسلم -كتاب الاقضية- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور- الرقم: 1718

(2) صحيح البخاري - كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة - باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ - الجزء التاسع - الصفحة 108 - رقم 7352.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت