كما أنها تنظر إلى مقتضى القواعد العامة: مثل: أنَّ الإنسان لا ينتفع إلَّا بما هو ملكه، ولا يستوفي حقه إلَّا ممن هو في ذمته، ولا يؤاخذ بكلام غيره، ولا يتصرف في أموره إلَّا بنفسه.
ومع هذا كله نرى الشريعة الإسلامية أجازتْ الانتفاع بملك الغير، بطريق الإجارة، والإعارة، والقرض، وأجازتْ الاستعانة بالغير، وكالةً، وإيداعًا، وشركةً، ومضاربةً، ومساقاةً، ومزارعةً، وأجازتْ أنْ يستوفي الشخص حقه من غير المدين حوالةً، وشرعتْ طرق الاستيثاق للديون بطريق الرهن، والكفالة، وغير ذلك من الطرق التي تخالف مقتضى ظاهر القواعد العامة للعقود [1] .
وعقد الإذعان يخالف قاعدة حرية التعاقد، ويخالف قاعدة الرضائية؛ فالأصل في الشريعة الإسلامية إجراء العقود، وإبرامها برضا المتعاقدين، وكذلك الأمر في القانون الوضعي، ولا يخرج العقد عن هذه القواعد ومقتضياتها، إلَّا لمصلحة تقتضيها الضرورة، أو الحاجة الماسة أو عموم البلوى [2] .
ولما كَثُرَ التعامل في عقود الإذعان، وشاركتْ فيها الشركات والحكومات، ونظمها القانون وأفرد لها أحكامًا خاصة بها [3] .
(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مرجع سابق، 536 ـ 630، ونظرية الضرورة الشرعية: أ. د. وهبة الزحيلي،، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ودار الفكر، دمشق، سوريا، ط/4، (ص 118) .
(2) الذخيرة: تحقيق الأستاذ محمد أبو خيزة- انظر: القرافي- الإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس (ت: 684 هـ ـ 1285 م) ، - دار الغرب الإسلامي- ط/1، 1994 م، 2/ 20 ـ 32، والإمام الشافعي: الأم، مرجع سابق، 3/ 3، وأ. د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر، ط/4، معدَّلة، 1414 هـ ـ 1997 م، 4/ 199.
(3) مثال ذلك المادة 45 من قانون المعاملات المدنية السُّوداني لسنة 1984 م والتي تنص على:"يعتبر التسليم بشروط مقرّرة يضعها الموجب في عقد الإذعان قبولًا، مع مراعاة أي قيود مقرّرة لعقود الإذعان في القانون"، وقد وردتْ المادة (118) من القانون المذكور نفسه، واضعةً بعض القيود على عقود الإذعان، فنصت على أنه: (إذا تَمَّ العقد بطريق الإذعان، وتضمنَّ شروطًا تعسفية، جاز للمحكمة أنْ تعدِّل هذه الشروط، أو أنْ تعفي الطرف المذعن منها، وذلك وفقًا لما تقضي به العدالة. ويقع باطلًا كل اتفاق على خلاف ذلك.