ذهب بعض الباحثين كالدكتور قحطان الدوري (في بحثه عن الاحتكار الذي أشرنا إليه سابقًا) إلى أن:"ما تقوم به الدولة ومؤسساتها من احتكارات لبعض الوسائل العامة كاحتكار سكك الحديد والطيران واستخراج البترول ونقل البريد وصنع الأدوية وتوليد الكهرباء والغاز وإسالة الماء إلخ .. ، حماية للناس من احتكارات الجشعين، فذلك من واجباتها في حفظ النظام العام من العبث ودفع الضرر عن الناس، ولولا قيامها بهذا اللون من الاحتكار لاتخذت منه الشركات الاحتكارية سبيلًا للغنى الفاحش واللعب بمقدرات الناس لما يتفق مع مصلحتها الخاصة". [1]
هل حقًا إن الدولة ينبغي أن تُستثنى من أحكام الاحتكار الشرعية لأنها تتصرف للمصلحة العامة، فعملها في كل حال مبرور وذنبها مغفور؟ هل هذا هو الموقف الفقهي الصائب؟
حتى نصل للجواب الصحيح يبدو لي وجوب طرح السؤالين التاليين:
السؤال الأول: هل النشاط نفسه يقع في نطاق الاحتكار الطبيعي الذي عرّفناه آنفًا، كما في حال المرافق العامة؟
والسؤال الثاني: هل من مبررات أخرى غير مبرر الاحتكار الطبيعي؛ سواء أكانت مبررات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، للقيام بهذا النشاط بصورة احتكارية ومنع المنافسة فيه؟
فإن كان الجواب بالإيجاب على أي من السؤالين السابقين، بمعنى أن النشاط المبحوث يقع في نطاق الاحتكار الطبيعي، أو أن له مبررات محددة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية تتطلب تقديمه بصورة احتكارية، فعندها فقط نواجه الاختيار التالي:
طالما أن النشاط لا بد من تقديمه بصورة احتكارية، فهل الأَولى أن نسمح للقطاع الخاص أن يقوم بذلك تحت رقابة الدولة وتسعيرها، أم الأَولى أن تقوم الدولة بتملك هذه المشروعات وإدارتها؟ والمفاضلة بين هذين الاختيارين تخرج أساسًا عن نطاق بحثنا هذا.
(1) قحطان الدوري،"الاحتكار"، ص 301 - 302.