إن الاحتكار الطبيعي هو قضية فنية من السهل التحقق من وجودها في نشاط اقتصادي معين، أما إذا كانت المبررات اجتماعية أو سياسية، فالمسألة تحتاج إلى تمحيص، ولا يقبل في نظري مجرد القول بأن الدولة قد فكرت في المصلحة العامة ورأت أن الأولى أن تحتكر، بل لابد أن يستبين لذوي الخبرة وجه المصلحة العامة التي توجب تقديم هذا النشاط احتكاريًا؛ وإذا لم يمكن تقديم دليل مقنع فإن قيام الدولة اعتباطًا باحتكار ذلك النشاط يقع تحت طائلة النهي المؤكد عن احتكار الصنف، والذي عده بعض كبار الفقهاء من الظلم والفساد في الأرض.
وينبغي أن نلاحظ أن مجرد كون السلعة من الضروريات أو الحاجيات الأساسية لجمهور الناس لا يكفي وحده مبررًا اقتصاديًا صحيحًا لاحتكار الدولة إنتاجها أو تسويقها؛ إذ السلعة قد تكون ضرورية ويمكن مع ذلك تقديمها بطريقة تنافسية كما نلاحظ مثلًا في شأن الخبز و الألبسة و كثير من الأدوية [1] .
(1) الأسواق غير التنافسية المعاصرة بين الفقه والتحليل الاقتصادي - محمد أنس الزرقا - مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، م 19، ع 2، ص ص: 3 - 42 (2006 م/1427 هـ) .