فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 157

الرخص والسَعَة ليبيع حين الغلاء فإن عمله هذا لا يعد احتكارًا، وهو يدل على ملاحظة الفقهاء لوظيفة النقل الزماني للسلع من وقت الوفرة إلى وقت الندرة.

سُئل الإمام النووي (من كبار الشافعية وهم من جمهور الفقهاء المضيقين) : [1] إذا تربص بغلة أرضه الغلاء وامتنع من بيعها وقت الرخص، فهل يكون احتكارًا؟

فأجاب: لا، إنما الاحتكار أن يشتري القوت وقت الغلاء ويمتنع عن بيعه في الحال لانتظار زيادة الغلاء؛ فإن اشترى وقت الرخاء وانتظر به الغلاء لا يكون احتكارًا.

إن أهم ما يميز الموسعين عن المضيقين هو توسيعهم لنطاق السلع التي يمكن أن يقع فيها الاحتكار المحرم.

أما التصرف الاحتكاري نفسه فإن الموسعين قلما يتعدون فيه نطاق المضيقين، فعلى سبيل المثال، لا يعُدُّ الإمام مالك من يحبس غلة أرضه محتكرًا. [2]

وقد اضطرب النقل عن أبى يوسف في هذه المسألة، فأحد قوليه كقول مالكٍ، وله قول آخر يعد فيه مثل هذا التصرف احتكارًا.

على أن بعض المالكية كابن رشد (الموسوعة الفقهية، فقرة 9) يرى حبس الغلة حين الشدة والضيق احتكارًا.

وما ذكرناه عن موقف الموسعين من حبس الغلة يقال مثله عن موقفهم من الجَلْب؛ أي الاستيراد من خارج المدينة، فمن حبس ما جلبه من خارج المدينة لا يعدون تصرفه احتكارًا، وبعض الموسعين يعدونه احتكارًا في حال الضيق والشدة فقط.

(1) فتاوى الإمام النووي، المسماة بالمسائل المنثورة، حققه الشيخ محمد النجار - دار السلام - ص 130 - 131.

(2) انظر قحطان الدوري،"الاحتكار"فصل في الإدارة المالية في الإسلام، ج 1، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، عمان، الأردن، 1410 هـ/1989 م، ص 290 حاشية، نقلًا عن الباجي في المنتقى على الموطأ 5/ 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت