الفقهاء هنا واضح مقنع: فالمحتكر يضيّق على الناس، أي يقلل المعروض من السلعة، بينما الجالب يزيد المعروض إن شاء أن يبيع أو لا ينقصه لو حبس.
الموسعون هم المالكية وأبو يوسف من الحنفية ثم ابن تيمية من الحنابلة [1] : وتعريف الاحتكار المحرم عندهم هو احتباس السلع على نحو يُضِر بالعامة، أي بجمهور الناس؛ فهذا يشمل احتباسها سواء تملكها بطريق الشراء أو جلبها من خارج البلد أو ادخرها من نتاجه الذاتي، بما يزيد عن حاجة نفسه وعياله، ويشمل هذا التعريف كل سلعة يضر حبسها بعامة الناس ولا يقتصر على الأقوات ولا الطعام.
وابن تيمية (ت 728 هـ) وتلميذه ابن القيم (ت 751 هـ) ، من متأخري الفقهاء الحنابلة، ينضمان إلى الموسعين لمفهوم الاحتكار المحرم، وقد نوّها لأول مرة بنوعين من الاحتكار أحدهما: احتكار الصنف ونذكره فيما بعد، والآخر هو احتكار العمل كما لو تواطأ الخبازون أو صانعو الأسلحة أو النجارون أو أصحاب مهنة معينة تشتد حاجة الناس إليها، على أن لا يرضوا بالعمل إلا بأجرة تفوق الأجرة التي كانت معتادة، وعدّ ابن تيمية ذلك من الاحتكار المحرم.
كما أن أبا حنيفة، مع أنه من جمهور المضيقين، كان يرى أن القسّامين الذين يقسمون العقار بالأجرة لا يجوز لهم أن يشتركوا (أي يكوّنوا شركة واحدة) لأنهم لو اشتركوا لزادوا الأجرة على الناس.
تفاصيل بين المضيقين والموسعين:
يتفق المضيقون من الفقهاء والموسعون على اشتراط أن يؤدي شراء السلع أو حبسها بوصفه سلوكًا احتكاريًا إلى التضييق على الناس، أما من يشتري وقت
(1) الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 11، ص 377، الحطاب الرعيني: مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، ج 6، ص 12.الخطيب الشربيني: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ج 2، ص 392، ابن قدامة: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، المغني، ج 4، 305.