ورد النهي عن الاحتكار في أحاديث نبوية شريفة صح منها ما روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال:"من احتكر فهو خاطئ"، وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا"لا يحتكر إلا خاطئ"، والأحاديث الأخرى ضعيفة السند لكنها جميعا تنهى عن الاحتكار. (3)
• اتجاهان فقهيان في الاحتكار: [1]
نلاحظ اتجاهين رئيسين بين الفقهاء في هذا الموضوع: أولهما اتجاه جمهور الفقهاء إلى تضييق نطاق الاحتكار المحرم، والثاني اتجاه قلة منهم إلى توسيع هذا النطاق.
إن جمهور الفقهاء يضيقون نطاق الاحتكار المحرم: وهم الحنفية والشافعية والحنابلة [2] ، ومن أوجز ما يوضح موقفهم تعريف الحنابلة الاحتكار بأنه اشتراء القوت وحبسه انتظارًا للغلاء، أي حتى يبيعه المشتري بعد أن ترتفع الأسعار.
والقوت أخص من الطعام؛ فهو طعام أساسي يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في حياته فترة طويلة من الزمن، بخلاف الطعام عمومًا فإنه يشمل الفواكه والأغذية غير الأساسية.
كما يلاحظ في هذا التعريف أن الذي يشتري القوت لاستهلاكه الذاتي لا ينطبق عليه تعريف الاحتكار المحرم، إنما ينطبق عليه لو اشتراه للمتاجرة به بعد أن يرتفع سعره، كما ينبغي الانتباه إلى اشتراط الشراء لتحقق الاحتكار، فالذي يحبس غلة أرضه لا يكون محتكرًا، وكذا من يجلب السلعة أي يستوردها من خارج البلد ويحبسها عنده، هذا أيضًا لا ينطبق عليه مفهوم الاحتكار عند الجمهور، ومنطق
(1) الأسواق غير التنافسية المعاصرة بين الفقه والتحليل الاقتصادي - محمد أنس الزرقا - مجلة جامعة الملك عبدالعزيز: الاقتصاد الإسلامي، م 19، ع 2، ص ص: 3 - 42 (2006 م/1427 هـ) .
(2) الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 11، ص 377، الحطاب الرعيني: مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، ج 6، ص 12.الخطيب الشربيني: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ج 2، ص 392، ابن قدامة: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، المغني، ج 4، 305.