فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 302

لاتصافهم بهذه الصفة لا لأعيانهم، فلما زالت الصفة منع السهم عنهم، وليس في هذا تغيير للحكم، وإنما هو إعمال له، وهو من باب السياسة الشرعية، وكذلك أمر عثمان رضي الله عنه بإمساك ضوال الإبل مع أن المنع من إمساكها مستفاد من سؤال أحد الصحابة لرسول الله (عن إمساك الإبل فقال: {مَا لَكَ ولهَا، معهَا حِذَاؤهَا وسِقَاؤهَا، تَرِدُ الماءَ وتَأكُلُ مِنْ الشَّجَرِ حَتَّى يلقَاهَا ربُّهَا} [1] ، فإن الرسول (قد ظهر من كلامه أنه يفتي عن حالة آمنة تأكل فيها الإبل من الشجر وتشرب من الماء، من غير أن يلحقها ضرر حتى يجدها صاحبها، فأما إذا تغير حال الناس ووجد منهم من يأخذ الضالة، صار هذا الحال غير متحقق، فإنها إذا تركت في هذه الحالة لن يجدها صاحبها، ومن هنا أمر بإمساكها حفظًا لأموال المسلمين [2] ، وهذا من

(1) رواه البخاري (91) ، ومسلم (1/ 1722) بلفظ: {مَالَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا} ، ولم أجده باللفظ الذي أورده المصنف.

(2) فَهِمَ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلمأن العلة من أمره بترك ضالة الإبل أن يتيسر لصاحبها العثور عليها، حيث لا خوف عليها من اللصوص أو الوحوش والسباع، والإبل قادرة على رعاية نفسها، فمعها سقاؤها، وتأكل من الشجر، وهذا حكم مرتبط بعلة، فإذا انتفت العلة تغير الحكم تبعًا لها، فلما كان في عهد عثمان رضي الله عنه، وكثر حديثو العهد بالإسلام والرقيق وغيرهم، وقلت الأمانة، التزم بعلة الحديث - وهي الحفاظ على ضالة الإبل وتيسير وصولها لصاحبها -، فأمر بإمساكها والتعريف بها، فإن لم يأت صاحبها بعد التعريف فإنها تباع، فإن جاء بعد بيعها أُعطي ثمنها، ثم جاء علي فخالف عثمان في بيع ضوال الإبل، وبنى لها مربدًا - وهو محبس الإبل وموقفها -، فكان يعلفها ويطعمها من بيت المال، فإذا جاء صاحبها وأقام البينة أخذها، وإلا بقيت على حالها حتى يأتي صاحبها ببينة، وذلك لأنه خشي تفويت مصلحة صاحبها ببيعها، فلعله لا يرتضي بيعها، وهذا الفعل من عثمان ثم من علي ، ليس فيه معارضة للنص وتقديم الرأي عليه، وإن توهم البعض ذلك ظاهرًا، بل هو في حقيقته التزام بعلة الحكم الذي دل عليه النص، وهو حفظ ضوال الإبل وتيسير وصولها لصاحبها، إذ النص المانع كان في واقع تغيرت بعض أحواله، وكان جوابًا على سؤال من آحاد الناس، بينما عثمان وعلي خليفتان يشغلان منصب إمامة الناس، ويعملان على حفظ المصالح الخمسة، ومنها حفظ مال المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت