فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 302

المبحث الأول:

مقدمات لابد منها

* أهمية المقدمات:

من المعلوم أن المفتي حين يُفتي، وكذا العالم حين يؤلف مختصرًا ينطلق من أدلة كلية وجزئية يستحضرها في ذهنه، ولا يذكرها للسائل، وربما اقتضت الرغبة في اختصار التأليف عدم الاستطراد في ذكرها، والمستفتي لا يعرفها، وربما إذا عرفها لا يستوعبها.

و (لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقي في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم) [1] .

ونظرًا لكون مسألتنا أمرها شديد ومهم، تحتاج إلى دراسة وتحرير، لا يمكن إجمال الكلام فيها .. آثرت أن أمهد لها ببعض المقدمات التي تساعد [2] على تصورها وفهم مرتكزاتها [3] ، والله المعين.

(1) منهاج السنة النبوية، 5/ 83، ومجموع الفتاوى، 7/ 110.

(2) في الأصل: ببعض المقدمات تساعد، والأصوب ما أثبتناه.

(3) لاشك أن الأفكار والعقائد والمذاهب والتصورات هي نِتَاجُ مقدماتٍ من البحث والنظر، وكثيرٌ ممن يبحث في الأفكار والعقائد والمذاهب يتجاوز هذه المقدمات، ويتجه مباشرة لمناقشة النتائج دون مقدماتها، وتقوم العديد من المناظرات على هذا الأساس!، ومن ثم يكون الأمر كصراخ في واد!، ومثل هذه البحوث والنقاشات لم تُبْنَ على علم أو فقه، إذ الصواب أن من أراد أن يعرض مذهبًا ما أو يناقشه أو يناظر صاحبه، عليه أن يتطرق أولًا إلى المقدمات والأسس والأصول التي بُنِيَ عليها هذا المذهب، فإن هذا هو الطريق الأصوب في إقناع الناس بالإيمان به إن كان عارضًا له، أو نبذه وهجره إن كان هادمًا له.

وقد اتبع القرآن الكريم هذا الأسلوب في عرض الإيمان ودعوة الناس إليه، وكذلك في هدم الشرك ومناظرة المشركين، والمتأمل في تدرج الوحي في نزوله يجد أن الأحكام الشرعية نزلت كنتائج لزمن طويل من بناء المقدمات الإيمانية في نفوس المسلمين، فكان انقيادهم لهذه الأحكام هو نتيجة إيمانهم العميق بوحدانية الله تعالى وباليوم الآخر.

وأعداء الإسلام من العلمانيين وغيرهم يدركون هذه القضية جيدًا، ولهذا فإنهم عند مناقشة العلماء والدعاة يتجهون مباشرة لمناقشة نتائج معتقداتهم، فيناقشون النهايات دون المقدمات، ويتهربون من مناقشة المقدمات، لعلمهم أنها ستقودهم حتمًا إلى تلك النهايات التي يتهربون منها.

ومن أمثلة ذلك أنهم إذا أرادوا مناقشة أحد الشيوخ في الديمقراطية مثلًا، ابتدأوا نقاشهم معه بالحديث عن حكم الانتخابات وكفر المجالس التشريعية، متجاوزين بذلك كل ما ينبغي أن يُنَاقَشَ من مقدمات، رغبة منهم في تشويه معتقد هذا الشيخ وإظهاره بالمظهر الشاذ!، لتنفير الناس عنه، والأصل أن يُبتدأ النقاش بالحديث عن وحدانية الله - سبحانه وتعالى - وتفرده بالحكم والتشريع، ويُبَيَّن المنهج الإسلامي في الحكم، ثم يُتَطرق لتاريخ الديمقراطية ونشأتها وحقيقتها وأصولها الفكرية، ويُقَارن بينها وبين الإسلام، ويُبيَّن أوجه التضاد بينهما، ثم يُختتم بالنتيجة، وهي حكم هذه الانتخابات وحكم المجالس التشريعية، ومنهج الإسلام في إقامة نظامه الحاكم، وكذلك عند مناقشتهم لمسألة إقامة الشريعة يتجهون مباشرة لمسألة إقامة الحدود، وبالأخص قطع يد السارق ورجم الزاني وقتل المرتد!، وكأن الشريعة لا تتضمن سوى هذه الأحكام - ومما يؤسف له أن كثيرًا من المسلمين عامة والمجاهدين خاصة قد وقعوا في هذا المنزلق، وتصوروا الشريعة على هذا المعنى! -، ومقصدهم من ذلك تصوير الشريعة للناس على أنها باب من الجحيم، وقِسْ على ذلك منهجهم في مناقشة مسائل عديدة، كقتال اليهود والصليبيين، وأحكام أهل الذمة، وغير ذلك من المسائل الشائكة.

وهذا المعنى الذي ذكرناه قريب من مقصود المصنف لما ذكره تحت عنوان"أهمية المقدمات".

والمسألة التي يطرحها المصنف - تقبله الله - من المسائل الشائكة، وقد كثر فيها الاختلاف والتنازع، فهي متجاذبة أشد التجاذب، بين مؤيد شديد التأييد، وبين معارض شديد الاعتراض، وبين متلاعب بها كذلك، يروج لها ظاهرًا وقصده التفلت منها حقيقة، وقد أحسن المصنف حين قدم لمثل هذه المسألة الشائكة ببعض المقدمات الهامة، التي تقود القارئ إلى نفس النتيجة التي خَلُصَ الشيخ إليها، دون إشكالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت