المبحث الرابع:
أدلة المانعين
استدل المانعون من التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية بأدلة [1] ، أهمها:
* الدليل الأول:
قول الله تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: من الآية 3] .
ووجه الدلالة من الآية: أنه ما دام الدين قد كَمُلَ والأحكام قد استقرت - كما بينت الآية الكريمة - فكيف يجوز التدرج بتطبيقه وتأجيل ما يزعم عدم إمكانية تطبيقه؟. وما نُقِلَ من التدرج في الأحكام الشرعية إنما كان قبل استقرار الأحكام
(1) من الإنصاف في البحث العلمي أن يورد الباحث أدلة وأقوال مخالفيه، وهذا ما فعله المصنف، فقد أورد أدلة المانعين رغم قوله بالجواز كما هو واضح من سياق الكتاب، وكما سيتأكد لاحقًا في باب أدلة المجيزين، وكذلك عند ترجيحه بين المذهبين، وإيراد أدلة المخالفين في المسألة كما أنه من الإنصاف، فإنه يفيد كذلك في تصور طالب العلم مذهب المانعين ومفهومهم للتدرج وعلة منعهم له، والمصنف لم يُسهب في تفصيل وبيان مذهب المانعين كما فعل مع المجيزين، وإنما اكتفى بما يحقق تصور الطالب للمسألة، وواضح أن تصور المانعين للمسألة مخالف لتصور المجيزين، فالخلاف بينهم لفظي وليس حقيقًا، وسبب حصوله اختلافهم في تصور المسألة، والحكم على الشيء فرع عن تصوره كما هو مقرر، فالمعنى الذي ذهب إليه المانعون في منعهم لم يذهب إليه المجيزون، بل هم كذلك على منعه، فلا خلاف في المسألة، وأما المعنى الذي ذهب إليه المجيزون، فلم يتطرق المانعون لمناقشته، وعليه فالخلاف لفظي كما ذكرنا، وقد رد المصنف على استدلالات المانعين عند ترجيحه بين المذهبين كما سيأتي.