فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 302

(النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ) [1] .

وعلى القاضي - وكذا المفتي - أن يلحظ ظروف وأحوال وملابسات ومآلات الواقعة وآثارها.

ولا يعني النظر في المآلات عند الحكم والفتيا، أن القاضي أو المفتي يُعْمِلُ استحسانه العقلي مجردًا من النصوص الشرعية وأصول الشريعة، فمن فعل ذلك فهو مُتَشَّهٍ قد رد الناس إلى هواه، وجعل طلب غير الشريعة مبتغاه، وكان آثما موزورًا غير مأجور.

يقول الجويني رحمه الله: (والمعتدُ به في المآلات ما شهد له الشرع طلبًا أو منعًا بنصوص الشريعة وأصولها حسب المسالك الشرعية) .

-الأصل الثاني: مراعاة مقصد الشرع وحكمة التشريع.

إن القاضي والمفتي وهما يقومان بتنزيل الحكم على الواقعة عليهما مراعاة مقاصد الشرع وحكمته، فالشرع له مقاصد في الأحكام، سواء كانت هذه المقاصد عامة أم خاصة أم جزئية [2] ، وإذا كانت معرفة مقاصد الشرع في مجال تفسير الأحكام الكلية

(1) الموافقات، 5/ 177.

(2) المقاصد العامة هي الحكم والغايات التي يقصدها الشارع في جميع أو غالب أحكامه التشريعية، كعبادة الله - عز وجل - وتوحيده وتحصيل المصالح ودرء المفاسد وحفظ المصالح الخمسة والتيسير ورفع الحرج وغير ذلك، وأما المقاصد الخاصة فهي الحكم والغايات التي يقصدها الشارع في أحد أبواب الفقه، كمقصد النهي عن الفحشاء والمنكر في باب الصلاة، ومقصد التقوى في باب الصوم، ومقصد الإحصان والتعفف في باب النكاح، ومقصد حفظ الدين في باب الجهاد، ومقصد إقامة العدل وحفظ الحقوق وردع المجرمين وتكفير الذنوب في باب العقوبات والحدود، ومقصد إقامة الدين وحفظ بيضة المسلمين وجمع كلمتهم في باب الإمامة، ويدخل في المقاصد الخاصة كذلك الحكم والغايات التي يقصدها الشارع في أبواب متجانسة في الفقه، وذلك كمقصد تحقيق مصالح الناس وتوفير حاجاتهم في باب المعاملات، ومقصد إقامة العدل وحفظ الحقوق في باب القضاء، ونحو ذلك، وأما المقاصد الجزئية فهي الحكم والغايات التي يقصدها الشارع في أحكامه الجزئية، ويقال لها"علل الأحكام"، ويسميها البعض"محاسن الشريعة"، وذلك كمقصد تآلف المسلمين واجتماعهم في صلاة الجماعة، ومقصد حفظ العقل في تحريم الخمر، ومقصد كفاية الفقراء والمحتاجين في وجوب الزكاة، ومقصد تعظيم المساجد في تحريمها على الحائض والجنب، ومقصد التميز عن المشركين في وجوب إطلاق اللحى، ومقصد التميز عن أهل الكتاب في الصلاة إلى البيت الحرام، ومقصد تحقيق التواضع في تحريم الإسبال، ومقصد عصمة الدماء في تشريع القصاص، وغير ذلك، والفقيه حين يقضي أو يفتي عليه أن يراعي مقاصد الشرع وحكمته عند تنزيله الحكم على الواقعة، فلا يصح أن يتعارض حكمه القضائي أو فتواه مع أي من هذه المقاصد الثلاثة المذكورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت