فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 302

المقدمة الثامنة:

معنى التمكين

إقامة شريعة الله - عز وجل - متعلقة بتمكن أهلها في الأرض التي يريدون إقامة الشرع فيها.

فما هي حقيقة التمكين التي توجب إقامة شريعة الله - عز وجل -؟.

وردت لفظة التمكين في القرآن الكريم في آيات عدة بمعنى الظهور والقدرة ونفوذ الأمر ورسوخه [1] .

(1) وذلك كما في قول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] ، وقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41] ، وقوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5 - 6] ، وهذه الآيات تشرح معنى التمكين وتبين حقيقته، فالآية الأولى ذكرت الاستخلاف وقرنته بالتمكين، وذكرت أنه استخلاف كاستخلاف السابقين {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، أي أنه حكم وسلطان ذو قوة وشوكة ومنعة وتمكين، وأن هذا الاستخلاف مقرون بتمكين الدين وإقامته في الأرض {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} ، وهو ما يعني بسط سلطان الشريعة، فدل ذلك على شرطيته، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ومن ثم صح القول بأنه لا خلافة بلا تمكين، ولا تمكين بلا إقامة للدين، وقد أشارت لذلك الآية الثانية، فذكرت أهم مظاهر إقامة الدين، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقرنت ذلك بالتمكين كما في الآية الأولى، بل جعلته من نتائج التمكين وثمرته {إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا} ، وبقَدْرِ التمكين تكون الإقامة، وهذه من دلالات الآية، وبمجموع الآيتين يتبين أن التمكين شرط في الخلافة كما أشارت الآية الأولى، وأن إقامة الدين مقصد لهذه الخلافة القائمة على هذا التمكين كما أشارت الآية الثانية، وأما الآية الثالثة فذكرت أن الإمامة {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} هي وراثة الحكم والملك والسلطان ممن سبق {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} ، ثم قرنت ذلك بالتمكين {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} ، ولفظ {الْوَارِثِينَ} هنا له دلالة، إذ الوارث يتملك ما ورثه ويتمكن فيه تمكنًا تامًا، بحيث لا يشاركه ولا ينازعه في هيمنته أو سلطانه أحد، وهكذا كان ملك فرعون، وهكذا أراد الله لبني إسراءيل وراثة ملكه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت