إذا تبين لنا في الفرع الأول أنّ إرجاء التطبيق ليس تعطيلًا، ولا حكمًا بغير ما أنزل الله، ففاعل ذلك لا يجوز أن يدرج في خانة الحاكمين بغير ما أنزل الله، إذ أن تحكيم الشريعة هو ما يدين به القائلون بالتدرج، وما قالوا به لا يخرج عن الشريعة وأقوال علمائها في حدود قواعد الاستنباط الشرعية، وما كان من خطأ ليس نابعًا من رفض حكم الشريعة [1] ، وإنما خطأ في الاستنباط، وليس ذلك من الكفر، بل الخطأ والتأويل
(1) وهذه مسألة مهمة، وقد يثيرها البعض، وهي ما الفارق بين من يتدرج في تطبيق الشريعة فيقع - ظاهرًا - في تعطيل بعض الأحكام - ولو مؤقتًا - وبين الطواغيت الذين عطلوا حكم الله تعالى واستبدلوه بأحكام مخالفة له؟. فنقول: لاشك أنهما لا يستويان، والضابط في ذلك هو القبول والرفض، أو الانقياد والإعراض، فأما المتدرج فإنه قَبِلَ الخضوع والانقياد لحكم الله تعالى، قولًا وعملًا، وقد وَجَدَ - أي المتدرج - في شرعه سبحانه أن الأحكام مقيدة بعلل ومصالح وأوصاف وشروط وموانع، وهو يجتهد في النظر في الواقع لمعرفة أحواله وما يناسبه من الأحكام الشرعية، مسترشدًا في ذلك بمناطات الأحكام وقيودها الضابطة لها، فهو خاضع للشريعة متنقل بين أحكامها المختلفة، فلم يخرج عنها ولم يرفضها ويأت بغيرها ليحكم به بين الناس، فهو إما مصيب أو مخطئ، ولهذا كان واقعًا بين الأجر والأجرين، وأما الطواغيت الحاكمون بغير ما أنزل الله فإنهم رفضوا حكم الله تعالى بالكلية، ورفضوا الخضوع والانقياد له، وأبوا إلا الإعراض عنه، فلم يبحثوا في شرع الله تعالى عما يجدونه في واقعهم من أحداث وأحوال، بل ذهبوا إلى غيره يطلبون منه الحكم، وهذا هو الإعراض عن دين الله تعالى وحكمه، وهو أحد أسباب الكفر والخروج من الإسلام، قال تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 48] ، وقال تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 24] ، وهذا الإعراض من نواقض الإسلام كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] ، فهم بين الكفر والنفاق، وليس لهم من الإسلام حظ أو نصيب.