المقدمة الثالثة:
مراتب الأحكام والأعمال [1]
اتفقت الأمة على أن الأحكام الشرعية التي كُلِّفَ الله بها المسلم أنواع ومراتب، وليست على ميزان واحد [2] .
(1) من فقه المصنف رحمه الله أنه ذكر هذه المقدمة تالية لمقدمة المصالح والمفاسد، إذ لها تعلق مباشر بها، وقد أشار إلى ذلك في نهاية مقدمته عن المصالح والمفاسد، فقال: (والفقه الصحيح في هذا الباب - أي باب تعارض المصالح والمفاسد - الذي يترتب عليه تقديم ما يستحق التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، وتحصيل ما حقه أن يُحَصَّلَ، ودفع ما حقه أن يُدْفَعَ، يحتاج إلى علم صحيح بمراتب الأعمال ودرجاتها وتفاوتها) ، وهذا التعلق ظاهر كذلك فيما نقله المصنف في مقدمته عن المصالح والمفاسد من قول الشاطبي رحمه الله: (فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة) .
ووجه ذلك أنه لما كانت الشريعة قد جاءت بتحصيل المصالح ودرء المفاسد، وكانت هذه المصالح والمفاسد على مراتب، وكانت الأحكام الشرعية جميعها مشتملة على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، بمعنى أن كل حكم جزئي في ذاته إما أنه يحقق مصلحة أو يدرأ مفسدة، فحاصل ذلك أن المصالح الشرعية متجزئة وموزعة على الأحكام، أي أن الشريعة تشتمل على مصلحة جزئية في كل حكم من أحكامها كما قال الشاطبي، وهذا يلزم منه بالضرورة أن تكون للأحكام والأعمال الشرعية مراتب متباينة، باعتبار ما يتضمنه كل حكم من المصلحة التي يحققها والمفسدة التي يدرءها، ومراتب هذه المصالح والمفاسد.
(2) ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (58/ 35) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال: {الإيمانُ بِضْعٌ وسبعونَ أو بِضْعٌ وستُّونَ شُعبةً، فأفضلُها قول لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريقِ، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمانِ} .