وتنقسم إلى: واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح [1] .
كما بين العلماء - والأصوليون منهم بالخصوص - تعريف كل نوع من الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة، ووضعوا قواعد لكيفية استنباطها وأساليب التفريق بينها.
والمصالح الشرعية مقسمة إلى: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات [2] ؛ وهي مرتبة
(1) وهذه هي الأحكام التكليفية الخمسة كما يذكرها الأصوليون في كتبهم.
(2) المصالح الشرعية الكلية خمسة، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل"العرض"، والمال، ويقال لها كذلك مقاصد الشريعة أو الضرورات الخمسة، وقد راعى الشارع حفظ هذه المصالح من جهتين: من جهة إيجادها وتحقيقها، ومن جهة بقائها وعدم فنائها كما ذكر الشاطبي، وهذا مُطَّرِدٌ في المصالح الخمسة، وينقسم كل مقصد من هذه المقاصد الخمسة إلى المراتب الثلاثة التي ذكرها المصنف ونقلها عن الشاطبي، وهي: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، وكل مرتبة من هذه المراتب تنقسم في داخلها إلى مرتبتين، أصل ومكمل.
وتعد مرتبة التحسينيات مكملة للحاجيات، كما تعد الحاجيات مكملة للضروريات، فهذه المراتب المصلحية الثلاثة ليست مستقلة عن بعضها البعض، وإنما يُكْمِّلُ بعضها بعضًا، فكل مرتبة منها تكملها ما يليها من المراتب، ولهذا كان من أخل بواحدة منها أخل بما يليها، والعكس ليس بلازم، ويترتب على العلم بهذه المراتب وتفاضلها وتكاملها مراعاة المصالح التي تتضمنها الأحكام المتشتملة عليها عند التعارض، فلا يُقدَم الأهم على المهم، ولا يُقدَم المتمم على الأصل.
الضروريات: ويقال لها المصالح الضرورية، وهي المصالح التي تتوقف عليها حياة الناس، بحيث إذا فُقدت اختلت الحياة وشاع الفساد وأصاب الناس التلف والهلاك، وهذه المصالح مُشْتَمَلَةٌ في أحكام كما ذكرنا، ومرتبة الضروريات موجودة في المصالح الخمسة.
ومن أمثلة الضروريات لحفظ الدين: أركان الإسلام والإيمان، وقد وضعها الشارع مراعاة لمقصد حفظ الدين من جهة الوجود والتحقق، ومن ذلك أيضًا تشريع الجهاد وحد الردة، وقد وضعهما الشارع مراعاة لمصلحة حفظ الدين من جهة البقاء وعدم الفناء. ومن أمثلة مكملات الضرويات في هذه المرتبة: تشريع الأذان وصلاة الجماعة.
ومن أمثلة الضروريات في مرتبة حفظ النفس: تشريع الزواج والطعام والشراب، وهذا من جهة الوجود والتحقق، وتحريم القتل وتشريع القصاص، وهذا من جهة البقاء وعدم الفناء. ومن أمثلة مكملات الضرويات في هذه المرتبة: تشريع المماثلة في القصاص.
ومن أمثلة الضروريات في مرتبة حفظ العقل: إيجاب العلم، وهذا من جهة الوجود والتحقق، وتحريم الخمر والمسكرات، وهذا من جهة البقاء وعدم الفناء. ومن أمثلة مكملات الضرويات في هذه المرتبة: تحريم القليل من الخمر ومن كل مسكر.
ومن أمثلة الضروريات في مرتبة حفظ النسل"العرض": تشريع الزواج، وهذا من جهة الوجود والتحقق، وتحريم الزنا والقذف، وهذا من جهة البقاء وعدم الفناء. ومن أمثلة مكملات الضرويات في هذه المرتبة: تحريم النظر للأجنبية والخلوة بها.
ومن أمثلة الضروريات في مرتبة حفظ المال: تشريع السعي لطلب الرزق، وإباحة المعاملات المالية المختلفة من بيع وشراء وإجارة وشراكة وغير ذلك، وهذا من جهة الوجود والتحقق، وتحريم السرقة، وهذا من جهة البقاء وعدم الفناء. ومن أمثلة مكملات الضرويات في هذه المرتبة: تحريم الربا.
الحاجيات: ويقال لها المصالح الحاجية، وهي المصالح التي يحتاج إليها الناس للتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم، وإذا فُقدت لا تختل حياتهم ولا يصيبهم التلف والهلاك كما في مرتبة الضروريات، ولكن يلحقهم الضرر والمشقة الشديدة، وقد جاءت الشريعة برفع الحرج والتيسير والتخفيف على الناس، قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] ، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وهذه المصالح مُشْتَمَلَةٌ في أحكام كما في الضروريات، وهذه المرتبة موجودة أيضًا في المصالح الخمسة، وهي تلي الضروريات.
ومن أمثلة المصالح الحاجية"الحاجيات": قصر الصلاة للمسافر، وإباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر، والصلاة قاعدًا لمن عجز عن القيام، والمسح على الخفين، وإباحة الصيد، وإباحة الطيبات من الرزق من المأكل والملبس والمشرب والمسكن، وإباحة العقود في المعاملات كالبيع والشراكة والإجارة وغيرها، وإباحة فسخ هذه العقود أيضًا كالطلاق، وعزل الخليفة الظالم.
ومن أمثلة مكملات الحاجيات: اشتراط الكفاءة في الزوجين، وتحريم بيع المعدوم والغرر، وإباحة الجمع بين الصلاتين للمسافر المرتحل، والإشهاد على العقود كالزواج وغيره.
التحسينيات: ويقال لها المصالح التحسينية، وهي المصالح التي يُقصد بها تحسين حياة الناس، وهي مصالح تقتضيها المروءة وتدفع إليها مكارم الأخلاق، وإذا فُقدت لا تختل حياة الناس ولا يصيبهم التلف والهلاك كما في الضروريات، ولا يلحقهم الحرج والمشقة الشديدة كما في الحاجيات، ولكن تُستقبح حياتهم في نظر العقلاء، وهذه المصالح مُشْتَمَلَةٌ في أحكام كما في الضروريات والحاجيات، وهذه المرتبة موجودة كذلك في المصالح الخمسة، وهي تلي الحاجيات.
ومن أمثلة المصالح التحسينية"التحسينيات": تشريع الطهارات، والتطيب، وعدم بيع المرء على بيع أخيه، وعدم خطبته على خطبة أخيه، وتحريم الإسراف، ويُعد"سد الذرائع"داخلًا في هذه المرتبة، باعتبار أنه أحسن من انتظار الوقوع في الفساد.
ومن أمثلة مكملات التحسينيات: مندوبات الطهارة، والنهي عن قطع العبادات بعد البدء فيها، والحث على الإنفاق من الطيبات عند التطوع بالصدقات، واختيار الأفضل في الأضحية والعقيقة. [أصول الفقه الإسلامي، 2/ 310 - 315، بتصرف شديد] .
وبذلك يتبين كمال وعظمة الشريعة الإسلامية وشمولها لكل ما يحتاجه العباد في حياتهم ويحقق مصالحهم المختلفة، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] .
والعلم بهذه المراتب الكلية وما تتضمنه من أحكام جزئية يفيد الناظر المجتهد في الترجيح بينها عند التعارض، ولا يتمكن من الترجيح إلا من ترسخ في العلم، وأصبح لديه إحاطة بالشريعة، ومعرفة بموضع كل حكم بين أحكامها الجزئية، ومرتبته بين المصالح الشرعية.