فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 302

إلى معرفة كثير من أسرار الشريعة وحكمها، وفهم هذا الباب وتطبيقه في الواقع، هو دون شك من أصول الشريعة ومن الحكم بما أنزل الله.

ولم يكن اجتهاد عمر رضوان الله تعالى عليه في عام الرمادة إلا من هذا، فقد قدم مصلحة النفوس وحفظها علي مصلحة المال وحفظها عندما تعارضتا، فقد كان الناس في مخمصة عظيمة والضرورات تبيح المحظورات، فكان أكل المال المسروق كأكل الميتة في تلك الظروف .. يُباح، بل يجب على قول طائفة من أهل العلم إذا تحقق الهلاك، وتاركه في مثل ذلك عاص لله قاتل لنفسه كما يقول ابن حزم، واحتج بقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [1] ، قال: (وهو عموم لكل ما اقتضاه لفظه) .

فدفع رضي الله عنه قدر ما استطاع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وحافظ على أعظم المصلحتين (أرواح الناس ونفوسهم) بتفويت أدناهما (أموالهم) لتعارضهما في تلك الظروف الخاصة، وهذا من فقهه رضي الله عنه في دين الله، وهو تحكيم لمقاصد الشريعة ومحافظة على مصالحها وضرورياتها التي ما وضعت الحدود كلها أصلًا إلا لحفظها وتحصيلها ودرء المفاسد عنها.

ولذا قال ابن القيم رحمه الله فيه: (وهذا مقتضي قواعد الشرع) ، فهو إذن حكم بما أنزل الله، وليس كما يلبس البعض عن جهل أو سوء قصد، وهذا واضح بين، وشتان شتان بينه وبين الحكم بغير ما أنزل الله.

(1) النساء: 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت