أو نحو ذلك [1] .
والأول يسميه ابن القيم رحمه الله:"الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة"، بينما يسمي الثاني:"السياسات الجزئية التابعة للمصالح فتتقيد بها زمانًا ومكانًا" [2] .
ومن مسائل [3] هذه السياسات"النوع الثاني"منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم عن قوم كان يعطيهم إياه، لزوال تلك الصفة عنهم [4] ، فإنما كانوا يُعطَونَ
(1) فمثل هذه الأحكام تتغير تبعًا لتغير مناطاتها وعللها، إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وكذلك في حال تغير الصفة التي قُيد بها الحكم أو العرف أو غير ذلك، وعدم تطبيق مثل هذه الأحكام في حال تغيب القيود المتعلقة بها لا يُعد تبديلًا لحكم الله - عز وجل -، بل هو عين إقامة حكم الله - سبحانه وتعالى -، إذ شرع الله أن يقام حكمه عند توفر علله وأسبابه وشروطه، وشرعه كذلك ألا يقام الحكم عند غياب أسبابه وشروطه وعلله، وإنما يقام الحكم الذي تحقق مناطه.
(2) الكلام هنا عائد على ما ذكره في البند الثاني، فالمقصود بالأول هو ما جاء حكمًا وتشريعًا عامًا، وأما الثاني فهو ما جاء مقيدًا بعلة أو صفة أو عرف.
(3) هكذا في الأصل، والمقصود بالمسائل أي الأمثلة على هذه السياسات، وهذا التمثيل عائد على النوع الثاني الذي ذكره في البند الثاني، وهو الأحكام التي جاءت مقيدة بعلة أو صفة أو عرف أو غير ذلك.
(4) المؤلفة قلوبهم على أحوال، إما أن يكونوا كفارًا، فيُعطَونَ سهمًا من الزكاة رجاء إسلامهم وترغيبًا لهم ولغيرهم في الدخول في الإسلام، وتزول عنهم صفة تأليف القلوب بدخولهم في الإسلام وحُسن إسلامهم، أو بإصرارهم على الكفر وظهور ذلك منهم، وإما أن يكونوا مسلمين ضعيفي الإيمان فيُعطَونَ من الزكاة تقوية لإيمانهم وترغيبًا لهم ولغيرهم في التمسك بالإسلام، وتزول عنهم صفة تأليف القلوب بحُسن إسلامهم، وإما أن يكونوا أهل فساد وشر، يُخشى شرهم على الإسلام والمسلمين، فيُعطَونَ من الزكاة دفعًا لشرهم وشر غيرهم ممن يُخشى منه مثل فعلهم، وتزول عنهم صفة تأليف القلوب بدفع شرهم أو بقوة الإسلام وغلبته وعدم الخوف من أمثالهم، فإن زالت صفة تألف القلوب عنهم مُنعوا ما كانوا يُعطَون من الزكاة، وليس في هذا تغييرًا لحكم شرعي، بل هو عين الحكم الشرعي، إذ استحقاقهم للزكاة كان متعلقًا بصفة، وهي تأليف قلوبهم، وهم في ذلك كالفقير إن زالت عنه صفة الفقر، فلا يعود مستحقًا للزكاة، ويكون الحكم الشرعي منعه من الزكاة، ويكون إعطاؤه للزكاة وحاله كذلك مخالفة للحكم الشرعي!، وكذلك الغارم إن سُدَّ دينه، ونحو ذلك.
فالقصد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع هؤلاء ما كانوا يُعطَونَ من نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة، لما زالت الصفة المقتضية لهذا الحكم، إما بحسن إسلامهم، أو بعزة الإسلام وقوته، أو كلاهما.