والتسليم المطلق إليه [1] ، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يُحَاكِمُ إلا إليه، ولا يُحَكِّم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان، ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه، لا [2] يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه) [3] .
كما أن تحكيم الشريعة من مقتضيات الإيمان [4] ؛ إذ الإيمان قول وعمل يتضمن تصديقًا وانقيادًا، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه} [النساء: من الآية 60] .
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: (إن قوله تعالى: {يَزْعُمُونَ} تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلممع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو
(1) وهذا النقل عن الإمام ابن القيم رحمه الله، والنقل السابق عنه أيضًا، هو معنى قول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
(2) في الأصل: ولا، والصواب ما أثبتناه.
(3) مدارج السالكين، 3/ 1884.
(4) التدقيق أن يقال: تحكيم الشريعة من الإيمان، إذ التحكيم من أصل الإيمان وليس من مقتضياته، فقد جعل الله سبحانه الحكم بشرعه من التوحيد، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40] ، وجعل عدم الحكم بشرعه من الكفر، فقال سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .