(الواجب على العباد اتباع الرشاد، وتنكب أسباب الفساد [1] ، وقضاء الله وقدره من وراء ذلك) [2] .
(ومعظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها، فلا نسبة بمصالح الدنيا ومفاسدها إلى مصالح الآخرة ومفاسدها ..
والمصالح ثلاثة أنواع: أحدها مصالح المباحات. الثاني مصالح المندوبات. الثالث: مصالح الواجبات. والمفاسد نوعان: أحدهما: مفاسد المكروهات. الثاني: مفاسد المحرمات [3] ...
أما مصالح الآخرة وأسبابها، ومفاسدها وأسبابها [4] فلا تعرف إلا بالشرع، فإن
(1) القاعدة الخامسة: العبد المُكَلف مأمور بالنظر إلى الحكم الشرعي والتزامه، وهنا تتحقق المصلحة وتُدرأ المفسدة، ويشهد لهذا المعنى ما رواه مسلم في صحيحه (113/ 1548) عن رَافِعِ بن خَدِيجٍ رضي الله عنه أن رجلًا من عمومته قال: (نهانا رسولُ اللهِ(عَنْ أمرٍ كانَ لنا نافِعًا، وطَواعِيةُ اللهِ ورسولِهِ أَنفَعُ لنا) .
(2) قواعد الأحكام، 1/ 23.
(3) المصدر السابق، 1/ 11 - 12، بتصرف.
القاعدة السادسة: المصالح ثلاثة أنواع: أحدها مصالح المباحات، الثاني مصالح المندوبات، الثالث مصالح الواجبات، والمفاسد نوعان: أحدهما مفاسد المكروهات، الثاني مفاسد المحرمات، وهي بهذا الترتيب من حيث رتبتها الشرعية تعلو من الضعف إلى القوة.
(4) في الأصل: أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها، والصواب ما أثبتناه.
وهنا مسألة مهمة لم يتطرق لها الشيخ، وتجدر الإشارة إليها لاكتمال الفائدة، وهي أن اعتبار المصالح والمفاسد في الأحكام والأعمال لا ينحصر في مآلها الدنيوي، بل له تعلق كذلك بمآلها الأخروي، وهذا من جهة ترتب الأجر والثواب على مصلحة العمل ومنفعته، وليس على مشقته، وبعكسه في العقاب، وقد تكلم شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة بكلام نفيس قيم.
يقول رحمه الله: (ومما ينبغي أن يُعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس، وحملها على المشاق، حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل، كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله، فأي العملين كان أحسن، وصاحبه أطوع وأتبع، كان أفضل، فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل.
ولهذا لما نذرت أخت عقبة بن عامر أن تحج ماشيةً حافيةً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ أُخْتِك نَفْسَهَا، مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ} ، وروي: أنه أمرها بالهدي، وروي: بالصوم، وكذا حديث جويرية في تسبيحها بالحصى، أو النوى، وقد دخل عليها ضحى، ثم دخل عليها عشية، فوجدها على تلك الحال. وقوله لها: {لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْم لَرَجَحَتْ} .
وأصل ذلك أن يعلم العبد أن الله لم يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا، ولم ينهنا إلا عما فيه فسادنا؛ ولهذا يثني الله على العمل الصالح، ويأمر بالصلاح والإصلاح، وينهى عن الفساد، فالله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد، وأمرنا بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا، وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا بمشقة، كالجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم، فيحتمل تلك المشقة، ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلملعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: {أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ} ، وأما إذا كانت فائدةُ العملِ منفعةٌ لا تقاوم مشقته، فهذا فسادٌ، والله لا يحب الفساد، ومثال ذلك منافع الدنيا، فإن من تحمل مشقة لربح كثير أو دفع عدو عظيم، كان هذا محمودًا، وأما من تحمل كُلَفًا عظيمة ومشاقًا شديدة، لتحصيل يسير من المال، أو دفع يسير من الضرر، كان بمنزلة من أُعطي ألف درهم ليعتاض بمائة درهم، أو مشى مسيرة يومٍ ليتغدى غدوةً يمكنه أن يتغدى خيرًا منها في بلده.
فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط، الذي هو خير الأمور وأعلاها، كالفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، فمن كان كذلك فمصيره إليه إن شاء الله تعالى. [مجموع الفتاوى، 25/ 151 - 152] .
وهذا الكلام النفيس من شيخ الإسلام رحمه الله يُبيِّن مدى مراعاة الشريعة للمصالح والمفاسد، وتعمق ذلك فيها، سواء من جهة تشريع الأحكام والأعمال، وكذلك من جهة الإثابة والعقاب عليها، كما يعين كذلك على ضبط تصور أصل مسألة المصالح والمفاسد.