فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 302

المرسلة [1] وشرع من قبلنا [2] والاستصحاب [3] ، وسد الذرائع [4] .

(1) المصلحة على أنواع، مصلحة اعتبرها الشارع ونص عليها، فهي المصلحة الشرعية، ومصلحة ألغاها الشارع وأبطلها ونص على ذلك، فهي المصلحة الملغاة، ومصلحة لم يرد فيها دليل خاص، لا في اعتبارها ولا في إبطالها، فهي المصلحة المرسلة، وسميت بذلك لأنها أُرسلت عن الدليل الخاص، ولكنها في الأغلب لا تخلو من دليل عام تستند إليه وإلى مقاصد الشريعة وكلياتها، ويُطلق عليها المناسب المرسل أو الاستصلاح.

(2) شرع من قبلنا على أقسام، منه ما كان شرعًا لهم خاصًا بهم، وفيه قول الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ، ومن أمثلته سجود التحية، فإنه كان مشروعًا لبعض الأمم السابقة كما في شريعة يوسف عليه السلام، ومنه ما كان شرعًا لهم ولنا، وفيه قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ، ومن أمثلته الصيام، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، ومنه ما لم يُثبته الشرع لنا ولم يُبثت خصوصيته لمن قبلنا، وإنما أورده على محمل السكوت، دون اعتبار أو الغاء، وهذا النوع محل نزاع بين الفقهاء في حجيته.

(3) الاستصحاب: هو بقاء ما كان على ما كان عليه من نفي أو إثبات، حتى يأتي دليل يصرفه عن حالته إلى ما يخالفها، وهو أضعف الأدلة وآخرها، فلا يُلجأ إليه إلا عند انعدام جميع الأدلة التي يمكن الاستدلال بها من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو غير ذلك، ويتفرع عن أصل الاستصحاب بعض القواعد الفقهية، كقاعدة (اليقين لا يزول إلا بيقين) ، و (الأصل في الأشياء الإباحة) ، و (الأصل براءة الذمة) ، و (الأصل بقاء ما كان على ما كان) .

(4) الذريعة: هي الوسيلة، وسد الذرائع: هو منع المباحات التي تؤول إلى حصول محرمات أو مفاسد، فهي كالوسائل لها، سواء قَصَدَ الفاعل حصول تلك المفاسد أو الوقوع في تلك المحرمات، أم لم يقصد، فإن قصد الوقوع في المحرمات فهي الحيلة، واتخاذ الحيل محرم في الشريعة، وذلك كفعل أصحاب السبت، وإن لم يقصد الوقوع في المحرم فهي الذريعة المطلوب سدها، والأمثلة على سد الذرائع كثيرة في الشرع، منها نهيُ النبي صلى الله عليه وسلمعن قطع الأيدي في الغزو، وذلك سدًا لذريعة التحاق المسلم المجاهد بالمشركين، ومنها نهيه (عن بيع السلاح في الفتنة، وذلك سدًا لذريعة سفك الدم الحرام، ومنها نهيه (عن أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان، وذلك سدًا لذريعة الجور في الحكم، ومنها قول الله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] ، وذلك سدًا لذريعة افتتان الرجل بالمرأة ووقوعهما في الفاحشة، ومنها تحريم بيع العنب لمن عُلِمَ أنه يتخذه خمرًا، وذلك سدًا لذريعة الوقوع في السُكْر.

لكن ينبغي عدم التوسع في باب سد الذرائع، لئلا يؤدي ذلك إلى وقوع الحرج والمشقة على الناس، ويشترط في سد الذرائع غلبة الظن على تحقق المفسدة المعتبرة، وسد الذرائع هي إحدى صور النظر في المآلات، وسيأتي الحديث عن المآلات والنظر فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت