وقال في موضع آخر: (وهذا من شيخ الإسلام - يعني ابن تيمية - بناء على قاعدة ذكرها في بعض كتبه وهو أنه إذا ثبتت الضرورة جاز العمل بالقول المرجوح نظرًا للمصلحة، ولا يُتخذ عامًا في كل قضية، بل الضرورة تقدر بقدرها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا) .
فمن استقرأ مسالك العلماء وفتاويهم من مختلف المذاهب، وجدهم يأخذون زمانًا بقول هو أرجح من حيث الدليل والأخذ به عزيمة واحتياط، ثم يتركونه في وقت لاحق لعموم البلوى وعسر الاحتراز والمشقة وفوات المصلحة ودرء المفسدة [1] .
ومما يتفرع على هذه المسألة ترك المستحب، والعمل بالمفضول لتأليف القلوب.
قال ابن تيمية رحمه الله: (ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إذا كان فيه تأليف المأمومين؛ مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل، بأن يسلم في الشفع ثم يصلي ركعة الوتر، وهو يؤم قومًا لا يرون إلا وصل الوتر، فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه .. ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف، التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة، كان جائزًا حسنًا) [2] .
(1) وليس هذا من تتبع الرخص الذي وصفوه بالزندقة في قولهم:"من تتبع رخص العلماء تزندق"، فمقصدهم في ذلك المتتبع للرخص في غير مواضعها المعتبرة، يفعل ذلك على سبيل الهوى والتشهي، لأن حاصل فعله التلاعب بالدين، وهذا زندقة، وأما في هذه الحال فإنه تتبع الرخص يكون في مواضعها المعتبرة المعمول بها، وفاعل ذلك مقصده اتباع ما قرره الشرع من جلب المصالح ودرء المفاسد.
(2) مجموع الفتاوى، 24/ 106.
وقال رحمه الله: (ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات؛ لان مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلمتغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متمًا، وقال: الخلاف شر". اهـ. [مجموع الفتاوى 22/ 239] . [المصنف] ."