ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر عددًا من الأمثلة المشابهة لترك الفاضل وفعل المفضول:(فهذه الأمور وإن كان أحدها أرجح من الأخر، فمن فعل المرجوح فقد فعل جائزًا.
وقد يكون فعل المرجوح أرجح للمصلحة الراجحة كما يكون ترك الراجح أرجح أحيانا لمصلحة راجحة [1] ، وهذا واقع في عامة الأعمال؛ فإن العمل الذي هو في جنسه أفضل قد يكون في مواطنٍ غيره أفضل منه، وقد يكون العمل المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين [2] .
وهذا الباب - باب تفضيل بعض الأعمال على بعض - إن لم يعرف فيه التفضيل، وأن ذلك قد يتنوع بتنوع الأحوال في كثير من الأعمال، وإلا وقع فيها اضطراب كثير) [3] .
(1) ذكرنا في التعليق على علل العمل بالمرجوح أنه وإن كان مرجوحًا في أصله، إلا أنه راجح بالنسبة للحالة التي استدعته.
(2) أي أنه ليس مطردًا بقاعدة، ولكنه نسبي.
(3) مجموع الفتاوى 24/ 107 - 108، بتصرف.
ثم قال رحمه الله: (فإن في الناس من إذا اعتقد استحباب فعل ورجحانه، يحافظ عليه ما لا يحافظ على الواجبات، حتى يخرج به الأمر إلى الهوى والتعصب والحمية الجاهلية، كما تجده فيمن يختار هذه الأمور فيجعلها شعارًا لمذهبه. ومنهم من إذا رأى ترك ذلك هو الأفضل، يحافظ أيضًا على هذا الترك أعظم من محافظته على ترك المحرمات، حتى يخرج به الأمر إلى اتباع الهوى والحمية الجاهلية، كما تجده فيمن يرى الترك شعارًا لمذهبه، وأمثال ذلك، وهذا كله خطأ. والواجب أن يُعطى كل ذي حق حقه، ويُوَسَع ما وسعه الله ورسوله، ويُؤلَفْ ما ألف الله بينه ورسوله، ويراعى في ذلك ما يحبه الله ورسوله من المصالح الشرعية، والمقاصد الشرعية) .
قلت: وهذا كلام قيم نفيس نقلته لأهميته.