فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما اقترن به من القرائن المرجحة. كما وقع التنبيه عليه في حديث تأسيس البيت على قواعد إبراهيم، وحديث ترك قتل المنافقين، وحديث البائل في المسجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلمأمر بتركه حتى يُتِمَّ بوله؛ لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه ولحدث عليه من ذلكم داء في بدنه، فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر، وبأنه ينجس موضعين، وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد.
وفي الحديث: {أيُّما امرأةٍ نُكحتْ بغيرِ إذنَ وليّها، فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ} ، ثم قال: {فإن دخلَ بها، فلهَا المهْرُ بما استحلّ منها} [1] .
وهذا تصحيح للمنهي عنه من وجه، ولذلك يقع فيه الميراث ويثبت النسب للولد، وإجراؤهم النكاح الفاسد مجرى الصحيح في هذه الأحكام، وفي حرمة المصاهرة، وغير ذلك؛ دليل على الحكم بصحته على الجملة، وإلا كان في حكم الزنا، وليس في حكمه باتفاق. فالنكاح المختلف فيه قد يراعى فيه الخلاف، فلا تقع فيه الفرقة إذا عثر عليه بعد الدخول، مراعاة لما يقترن بالدخول من الأمور التي ترجح جانب التصحيح [2] .
وهذا كله نظر إلى ما يؤول إليه ترتب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى
(1) سنن الترمذي (1102) ، ولفظه: {أيُّما امرأةٍ نُكحتْ بغيرِ إذنَ وليّها، فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فإن دخلَ بها، فلهَا المهْرُ بما استحلّ من فرجِها} ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(2) وهذا مبني على التفريق بين حكم الفعل ابتداءً وحكمه مآلًا - أي بعد وقوعه - للضرورة، فقد يفتي الفقهاء بحرمة الفعل ابتداءً ويجيزونه مآلًا لاعتبارات، وذلك كما في إمامة المتغلب.