فهذا الحكم الشرعي الذي لم يستند على العرف والعادة لا يتغير بتغير الأزمان، أما الذي يتغير بتغير الأزمان من الأحكام، فإنما هي المبنية على العرف والعادة كما قلنا، وإليك الأمثلة: كان عند الفقهاء المتقدمين أنه إذا اشترى أحد دارًا اكتفى برؤية بعض بيوتها، وعند المتأخرين لابد من رؤية كل بيت منها على حدته، وهذا الاختلاف ليس مستندًا إلى دليل، بل هو ناشئ عن اختلاف العرف والعادة - في أمر الإنشاء والبناء -، وذلك أن العادة قديمًا في إنشاء الدور وبنائها أن تكون جميع بيوتها متساوية وعلى طراز واحد، فكانت على هذا رؤية بعض البيوت تغني عن رؤية سائرها، وأما في هذا العصر فإذ جرت العادة بأن الدار الواحدة تكون بيوتها مختلفة في الشكل والحجم لزم عند البيع رؤية كل منها على الانفراد.
وقد رأى الإمام الأعظم [1] عدم لزوم تزكية الشهود في دعوى المال ما لم يطعن الخصم فيهم، وسبب ذلك صلاح الناس في زمانه، أما الصاحبان [2] وقد شهدا زمنًا غير زمنه تفشت فيه الأخلاق الفاسدة فرأيا لزوم تزكية الشهود سرًا وعلنًا، والمجلة قد أخذت بقولهما وأوجبت تزكية الشهود .. ونختم قولنا مكررين: أن الأحكام الثابتة بناء على النص لا تتغير أحكامها؛ لأن النص أقوى من العرف، إذ لا يحتمل أن يكون مستندًا على باطل بخلاف العرف والعادة فقد تكون مبنية على باطل، كأن يتعامل الناس مثلًا بالبيوع الفاسدة وغيرها من الممنوعات فذلك لا يجعلها جائزة شرعًا) اهـ.
(1) وهو الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله .
(2) أي صاحبا أبي حنيفة، وهما أبو يوسف، وهو صاحب أبي حنيفة الأول، وقد أخذ الفقه عنه، وأما الصاحب الثاني فهو محمد بن الحسن الشيباني، وقد أخذ الفقه عن أبي حنيفة أيضًا، ثم عن أبي يوسف، وأخذ كذلك عن غيرهما، كمالك والثوري والأوزاعي.