وقال أيضًا: (فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه، كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء، والنهي عن أشياء، حتى علا الإسلام وظهر؛ فالعالم في البيان والبلاغ كذلك؛ قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن ...
فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما؛ كان بيانه لما جاء به الرسول شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئًا فشيئًا، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأت الشريعة جملة ... فكذلك المجدد لدينه، والمحيي لسنته لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ... ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع [1] [2] .
وقاعدة"لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة"ينبغي أن تفهم على وجهها الصحيح، فالحكم معلق بالحاجة، إذ إن الحاجة قد تدعو إلى تعجيل بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال، وقد تدعو الحاجة إلى تأخير هذا البيان.
وبيان ذلك أن:
1 -أن المبلِّغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا ابتداء، فعليه أن يبلغ من يستطيع تبليغه.
2 -أن المبلِّغ لا يمكنه مخاطبة الناس بجميع الواجبات جملة، بل يبلغ بحسب الطاقة
(1) فتدبر هذا الأصل فإنه نافع.
(2) مجموع الفتاوى 20/ 35 - 36، بتصرف.