فهرس الكتاب
الصفحة 67 من 83

عليه وسلم مما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة" [1] ."

والنكتة في هذه المسألة تدور حول أمرين أولهما أن الغرض من القتل هو الزجر عن استحلال حرمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يحصل إلا بقتل الساب بغض النظر عن توبته، فلم يكن لاستتابته أثرٌ في منع القتل عنه فلم تجب، والثاني أن أثر الردة المجردة عن السب يمكن زواله بتوبة المرتد وعودته إلى الإسلام بل هو المطلوب، أما أثر سب النبي صلى الله عليه وسلم فلا يزول بالتوبة فلم يكن هناك بد من قتل الساب زجراً وردعاً وإحاطةً لحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم بسور المنعة والعزة والتوقير والتعظيم والإجلال. ثم إن هو تاب بينه وبين الله حقيقة فهو إلى الله تعالى إن قبل توبته نفعه ذلك في الآخرة.

وبطريق أخرى يمكن القول إن قتل الساب هو حد سب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حق لله وحق للآدمي؛ فإن فرضنا قبول التوبة سقط بذلك حق الله تعالى، ولم يسقط حق الآدمي وهو حق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علمنا من السنة المستفيضة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب حقه ويهدر دم الساب ويحرض على قتله دون استتابة، هذا مع علمنا أنه كان يعفو أحياناً عمَّن سبه فأكد هذا على أن القتل هو لأجل حقه صلى الله عليه وسلم لا لمجرد الردة، إذ ليس للإمام أن يُسقط حداً لله تعالى ثبت موجبه، فإذا عُلم هذا تبين أن العفو عن حد القتل لسب النبي صلى الله عليه وسلم هو حق النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وقد تعذر إسقاطه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مع دلالة الشرع المستفيضة على وجوب نصرته وتوقيره وتعزيره صلى الله عليه وسلم، فلم يكن من هذه النصرة في شيء العفو عن سابِّه وشاتمه ولو تاب، فلم يكن للاستتابة معنى، والله أعلم. ولكن مِن أهل العلم من يقول بالاستتابة وقبول التوبة بناء على معاملة الساب معاملة المرتد دون نظر إلى خصوص جريمة السب، وقد بيَّنا ضعف هذا وقصوره عمَّا يجب علينا تجاه النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم إن المرتد الساب إذا فُتح له باب التوبة فيحقن دمه، ثم يسب ثم يتوب أصبح هذا أشد استهزءً بالرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو طريق الزندقة، وقد كشف لنا هذا الساب عن خبث سريرته، فلم نعد نقبل منه ستر باطنه الخبيث بظاهرٍ مصطنع تبين كذبه، وهذا كحال المنافقين الذين فضحهم الله تعالى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأصل في المنافق أن يُعامل بالظاهر، ولكن لما افتضح باطنه عاملناه به، وكذلك الزنديق، قال ابن تيمية:"فإذا علمت هذا فنقول: هذا الرجل - أي المرتد الساب للنبي صلى الله عليه وسلم - قد قام الدليل على فساد عقيدته وتكذيبه به واستهانته له، فإظهاره الإقرار برسالته الآن - أي بعد الاستتابة والتوبة ظاهراً - ليس فيه أكثر مما كان يُظهره قبل هذا - أي من الإسلام - وهذا القدر قد بطلت دلالته بسبب الشتم فلا يجوز الاعتماد عليه، وهذه نكتة من لا يقبل توبة الزنديق" [2] .

(1) فتح الباري - 12/ 281

(2) الصارم المسلول - 3/ 650 بتصرف يسير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام