قال الزمخشري: ما صح لرجل ولا امرأة من المؤمنين أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا.
وذكر الجمل: وما كان أي ما صح وما استقام، وقيل: ما ينبغي لمؤمن .... ومثله الآلوسي
وقَال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) .
قال الزمخشري: وهذا نهي بليغ مع تقبيح لأمرهم وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية.
أقول: أهل المدينة وهم الصفوة المختارة والقاعدة الصلبة لهذه الدعوة، ومن حولهم من الأعراب وهم الحزام الأمني لها ينزل القرآن بالنكير على المتخلفين منهم، وهل أوجع من هذا التأنيب الخفي: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا) ولكنه أسلوب مهذب غاية التهذيب، رصين في منتهى الرصانة، في فعل الكون المنفي (ما كان) تضمنت معنى (الاستنكار) أو كما قال الزمخشري معنى (التقبيح والتوبيخ) ، فهل كفعل الكون يتحمل ما يتحمله سواه! فهو على سعة إهابه وانتشار استعماله وكثرة دورانه يتضمَّن ما يستدعيه السياق من المعاني: فهو في سورة الأحزاب (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ) يتضمن:(ما يجوز، ما ينبغي، ما يليق، ما يحسن، ما
يصح، ما يستقيم)وهي على تزاحم شؤونها وتعدد أغراضها مما يعين عليه المقام ويفزع إليه وينهض بحاله. أما في التوبة فهي صورةُ التأففِ المكظوم من هؤلاء المتخلفين من أهل المدينة ولا أوجع ولا أمرَّ من قوله إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولولا تصويره إياها لبقيت خافية علينا.
فهل ترى كالتضمين أوفرَ غِنى وأوسع انتشارا من مَصَارِفه وأنحائه. فلتكن هذه الملاحظ الأنف مرقاةً له لمعرفة كنوزه.