وحبط العمل على أضرب: أحدها أن تكون الأعمال دنيوية فلا تغني في القيامة. ذكر القرطبي في معنى الحبوط: البطلان والفساد.
وقال البروسوي: حَبِط: بطل وذهب.
وقال الآلوسي: تضمن (حبط) معنى (سقط وبطل) أي سقط عنهم ثواب أعمالهم أو زال عنهم مع فضلهم وعلو شأنهم. سبب ذلك أن أصحابها لم يقصدوا فيها وجه الله. فلو أشرك هذا الرهط من الرسل المهديين المصطفين في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي فإن مصيرهم حبوط العمل والهلك، كمصير الدابة ترعى نبتا مسموما فتنتفخ فتموت. لأن الحَبَطَ: انتفاخ بطن الدابة من كثرة الأكل.
وقال الزمخشري: ولو أشركوا مع فضلهم وتقدمهم لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم كما قَالَ تَعَالَى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) .
أقول: فتضمين (حبط) معنى (هلك) المتعدي بـ (عَنْ) (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) أي هلكت عني حجتي كما قال مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك أولى من سقط وبطل وزال، مراعاة للسياق وذهابا في جهات النظر، فجمع التضمين موت الدابة في حبوط بطنها من السُّمية، وهلاك العمل لعدم خلوص النية في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي. فهُدى اللَّه محصور في مصدر وحيد وهو وَحدَه يستمد منه ويحتكم إليه، وهو ما جاء عن طريق الرسل فمن حاد عن هذه الطريق فأشرك في المعتقد أو في العبادة أو في التلقي لهلك كل عمل يعمله، وضاع أجره سدى مهما بذل فيه من مجهود.
نعم هلك أجر عمله كما تهلك الدابة ترعى نبتا مسموما فتنتفخ فتموت.
موضوع الشرك صورة مُدرَكة يعرضه لنا سبحانه في صورة محسوسة مبصرة شائنة كريهة، ليكون أشد تأثيرا في النفوس وأبلغ. وإن للعرب ألفاظا لا يكاد يحيط بمدلولها ويدرك مطالها من لم يألف مذاهبهم.