فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 531

ذكر العز بن عبد السلام: (حقيق) ضمن معنى (حريص) ليفيد أنه محقوق يقول الحق وحريص عليه وكذلك ابن قيم الجوزية.

أما الزمخشري: فقد عدد وجوه القرآن فيها وقال: فيه أربع قراءات مشهورة (حَقِيقٌ عَلَى) قراءة نافع. و (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ) وهي قراءة عبد اللَّه و (حقيق بأن لا أقول) وهي قراءة أبي وفي المشهورة إشكال ولا تخلو من وجوه: أحدها: أن تكون مما يقلب من الكلام لا من الإلباس قال أحمد: القلب يستعمل في اللغة على وجهين:

أحدهما: قلب الحقيقة إلى المجاز لوجه من المبالغة كقوله:

* وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر *

ومعناه: تشقى الضياطرة بالرماح، قال أبو حيان: وأصحابنا يخصون

القلب بالشعر ولا يجيزونه في فصيح الكلام فينبغي أن ننزه القراءة عنه.

الثاني: أن ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقا عليه، كان هو حقيقا على قول الحق أي لازما له.

والثالث: أن يضمن (حقيق) معنى (حريص) كما ضمن هيجني معنى ذكرني.

والرابع: وهو الأوجه والأدخل في نكت القرآن أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام ولا سيما وقد قال له فرعون: كذبت.

حين قال: إني رسول من رب العالمين فيقول: أنا حقيق على قول الحق.

أي: واجب عليَّ قول الحق، أن أكون أنا قائله والقائم به.

وقد أشار الآلوسي إلى أن (حقيق) صفة رسول، أو خبر بعد خبر.

وقيل خبر مبتدأ محذوف أي: أنا حقيق وهو بمعنى جدير و (على) بمعنى (الباء) كما قال الفراء وعليه قول الهذلي وامرئ القيس و (على) تبقى على ظاهرها وهذا من قبيل تضمين الأسماء (حقيق) معنى (حريص) كما يتضمن الفعل معنى الفعل والمشتق معنى المشتق.

وذكر السيوطي: (على أن) أي (بأن) وقال الفراء والطبري والطوسي: (على) بمعنى (الباء) وكذلك الموزعي.

وقال أبو حيان: قال قوم: ضمن (حقيق) معنى (حريص) وقال أبو الحسن والفراء والفارسي: (على) بمعنى (الباء) كما أن (الباء) بمعنى (على) في قوله: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ) أي على صراط ويشهد بهذا الوجه قراءة أُبي؛ (بأن لا أقول) قال الأخفش: وليس ذلك بالمطرد: لو قلت: ذهبت على زيد تريد بزيد لم يجز.

أقول: الحرف لا يسلك مسلك التضمين لأن مفهومه غير مستقل بنفسه فمن قال (على) بمعنى (الباء) فتحاماه ولا تحفل به. وإلطاف النظر في مشتقه (حقيق) وهو من مبالغات اسم الفاعل يبعث على الكشف عما استودعه اللَّه فيه من أسرار كما يتفتح عن رصيده المذخور وإيحائه المتجدد فموسى عليه السلام يجد نفسه (أمينا على) تبليغ الحقيقة التي جاء بها هو وكل رسول قبله؛ حقيقة التوحيد والتي تقضي بزوال كل نظام غيرها. كما يجد نفسه (حريصا على) إعلان هذه الحقيقة في وجه الطاغوت وفي إعلانها تحرير الإنسان من الخضوع والتبعية والعبودية لغير الله.

كما يرى نفسه ملزما بقول الحق، واجبًا عليه أن يصرح بهذه الحقيقة وجوبا شرعيا، مهما كلفته من تبعات. وقد ملكت عليه جوارحه كلها فجمع التضمين الحرص والأمانة والإلزام والوجوب فأوعى، ونال بهذا مزية الإيجاز والإعجاز فأغنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت