قال الزمخشري: الباء مزيدة مثلها: أعطى بيده للمنقاد. والمعنى: لا تُقْبِضُوا التهلكة أيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل بأيديكم: بأنفسكم.
وقيل: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما يقال: أهلك نفسه بيده.
وقال أبو حيان: بعد أن عرض لمعاني صيغة أفعل وأنها هنا للجَعْل على ما استقرأه علماء التصريف وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون الهمزة للتعدية كخرج وأخرجته. والثاني: أن تجعله على صفة، كاطردته أي وجدته طريدا وأحمدته وجدته محمودا. والثالث: أن تجعله صاحب شيء
بوجه ما. و (ألقى) هي من القسم الثاني أي: لا تجعلوا أنفسكم لَقي إلى التهلكة فتهلك، وحام الزمخشري حول هذا المعنى فلم ينهض به.
وقال البيضاوي: والباء مزيدة والمراد بالأيدي: الأنفس. ولا تلقوا بأيديكم إليها فحذف المفعول وعدى الإلقاء بـ (إلى) لتضمنه معنى الإنهاء.
وقال الجمل: الباء مزيدة، مثلها: أعطى بيده للمنقاد. والمعنى: لا تُقْبِضُوا التهلكة أيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل: بأيديكم: بأنفسكم. وقيل: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما يقال: أهلك نفسه بيده. وذكر ابن يعيش نقلا عن سيبويه زيادة الباء في المفعول. وكذلك ذكرها السيوطي والزركشي.
أقول: الآية توضح أن الوقوع في المهالك سببه الشح وترك النفقة في القتال وتجهيز الغزاة، أو الجبن عن بذل النفس في ساحات الجهاد، فتُمنى الأمة بالهزيمة فتهلك، فإن انتهوا عما نهاهم اللَّه عنه بلغوا درجة الإحسان: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فالمعنى الأول: يجعلك تنفق في سبيل اللَّه ولا تلقي بيدك إلى التهلكة بترك القتال، والمعنى الثاني؛ لا تُقدِم على القتال بلا إعداد كافٍ. فاللَّه يريد منا أن نزن الأمور وزنًا يجعلنا: لا نترك الجهاد فيغلب علينا عدونا فنهلك، ولا نحب القتال لمجرد الرغبة فيه قبل التدريب فيه والاستعداد له.
إنه التعبير ... لكنه مُشع أعطى أكثر من معنى وأشار إلى أكثر من مدلول. جاء النهي عن الوقوع في هذه المهالك بفعل (ألقى) والذي لا يتعدى بالباء، فقال بعضهم: هي زائدة زيدت في المفعول - وإن كانت غير مقيسة - وعبّر باليد عن النفس ولا تُلقوا أنفسكم إلى التهلكة. وقال بعضهم: إن المفعول في المعنى هو (بأيديكم) لكنه ضمن (ألقى) معنى (أفضى) فعبر بالنفس عن الأيدي، ألا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة.
ولعل تضمين (ألقى) معنى (رمى) والمتعدي بالباء يعفينا من القول بزيادة الباء فالبيان المعجز غني عن الزيادة:
وقولهم الزيادة فاطرحه ... وتنكشف المزيةُ للسؤول
وإنَّمَا تنكشف البراعة عند معرفة وجه التأويل في هذه الحروف، وما جاءت إلا لتكسب المعنى نُبلا وتظهر فيه مزية أخص به وأبهر في صناعته.
والمفعول محذوف (أنفسكم) وليس في الإثبات بلاغة كالتي في الحذف: فلا ترموا أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم أي بما جنته أيديكم من الشح في النفقة في تجهيز الغزاة. وفي المثل: يداك أوكتا وفوك نفخك.
وفي لفظ (الرمي) ما ليس في الإلقاء من المهانة والمشْأمة قَالَ تَعَالَى: (تَرْمِي بِشَرَرٍ) وقال: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ) وقال: (يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) وهذا الإيحاش مراد في سياق الشح بالمال والإمساك عن النفقة في تجهيز
الغزاة، مقصود في عجز الأمة وهزيمتها حين تتخلف عن جهاد عدوها. ونحن مع التضمين لا نحتاج إلى ركوب المسلك الحَزْن بدعوى الزيادة - وهو منكور عند أهل النظر - ولا بدعاوى كثيرة تُعقد المعنى وتجفّف ثراه.
والسؤال أخيرًا لم جاء التعبير (بالإلقاء) بدل (الرمي) ؟ نفس المؤمن مكرمة عند اللَّه عز وجل فلا يليق بها أن تُرمى. ففي الرمي من المهانة والبذاذة ما ليس في الإلقاء كما أسلفت قَالَ تَعَالَى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) وقال: (فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا) وقال: (أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ) وقال: (سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ولذلك جاء النهي للمؤمنين بالإلقاء بدلا من الرمي.
أفرأيت ما تؤديه هذه الحروف من فوائد وأسرار حين تصاحب فعلا، كيف تخرجه عن مألوفه فتخصصه أو تُقيده أو تُطلقه أو تخرج به عن معناه المعجمي حسب طريقة عرضها!! أجل ... ما دام الحرف بعض الفعل من حيث كان مُعديا له وموصلا، فهو جزء منه أو كالجزء لقوة اتصاله به، فكيف ندعي زيادته؟ واجتماع الأصلي والزائد ممتنع لا مستكره، كاجتماع البياض والسواد، نثبت بهذا تخلف علل النحويين عن المتكلمين. وبعد ... فلولا باء أيدي الأشحاء أو الجباء، لما انكشف لنا الرميُ في هذه التهلكة، فافزع إلى التضمين عسى أن تربأ بالصنعة البيانية أفرع مشارفها وتحصل على هذه اللطائف.